الفرنسيون و»حزب الله«.. أحداث عفوية أم كمين؟
أحداث »تولين« أظهرت أن »حزب الله« يمتلك معلومات دقيقة حول اليونيفيل، وأنه يستطيع تربيع المنطقة حسب مشيئته.. كل ذلك من دون إشهار أي قطعة سلاح، وهو ما يثير القلق لدى الدول الغربية.
يضع كتاباً عن فترة قيادته قوات »اليونيفيل«
الجنرال بيلليغريني: »حزب الله« يسعى لاستعادة السيطرة السرية على الأرض لكي يتاح له التحرّك متى يشاء وحيث يرغب
إعداد وترجمة : أنديرا مطر
تشهد العلاقة بين فرنسا و»حزب الله« توتراً مضطرداً قد تكون الأحداث الأخيرة التي حصلت في الجنوب أحد مؤشراته، وكذلك ما تسرب الى الإعلام وأكدته مصادر المحكمة الدولية عن إعادة تمثيل عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في قاعدة عسكرية فرنسية. جورج مالبرونو كتب في مدونته على صفحة »الفيغارو« تقريراً عن أحداث »تولين« الأخيرة، معتبراً أن »حزب الله« ينشر بيئة معادية للفرنسيين في جنوب لبنان ويشجع الأهالي على التظاهر ضد الوحدة الفرنسية التابعة لقوات »اليونيفيل« في الجنوب اللبناني.
»اليد التي ستمتد إلى سلاح المقاومة سوف تُقطع« بلغة موليير كُتبت هذه العبارة على صورة ضخمة لأمين عام »حزب الله« والرجل القوي في جنوب لبنان السيد حسن نصرالله، على الأرجح كي تصل الرسالة واضحة إلى الجنود الفرنسيين التابعين لقوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) والذين يقومون بتدريبات في خربة سلم، القرية المجاورة لوادي الحجير، إضافة إلى أنها طريق التسلل المفضلة للميليشيا الشيعية للاقتراب من الحدود مع إسرائيل.
انطلاقاً من نهر الليطاني يتسلل المقاتلون الموالون لإيران بسرية تامة نحو الجنوب منذ مدة طويلة، مستفيدين من الثغرات البارزة العديدة لتمرير الصواريخ قبل إطلاقها على منطقة كريات شمونة شمال الدولة العبرية.
بعد حرب صيف 2006 بين إسرائيل و»حزب الله«، ورث الفرنسيون هذا القطاع الحساس، الذي يعتبر بمثابة جنة حقيقية لحرب العصابات. انتشار دبابات لوكليرك المجهزة بأجهزة التقاط حساسة يسمح بكشف أي تحركات مشبوهة على بعد أربعة أميال، وعدد كبير من مخابئ الأسلحة تم اكتشافها وتفريغها. لكن ضغط »اليونيفيل« تلاشى في ما بعد، فاستغل »حزب الله« هذا التراخي لتعزيز حضوره، ما أثار الرعب في إسرائيل واستدعى عودة قوات »اليونيفيل«. يلفت تيمور غوكسيل الذي كان ناطقاً باسم »اليونيفيل« لأكثر من عشرين سنة إلى أن »الجنود فقدوا الاتصال مع الأهالي وعندما رأوهم عائدين مرة أخرى اعتبروا أن ذلك تم بناء على إيعاز إسرائيلي«.
سلبية الجيش اللبناني
في متجره المزدحم بصور قادة »حزب الله«، يوضح الشاب الجنوبي إبراهيم الاعتراضات المناهضة للفرنسيين والتي بدأنا نسمعها في العديد من القرى الجنوبية: »يدخل الفرنسيون بدباباتهم الشوارع، ينتهكون خصوصيتنا، يلتقطون الصور، وبعد أسبوع تالٍ، نرى إسرائيل تبث صوراً جديدة لقرى الجنوب«. ويضيف التاجر نهاراً، والذي يتحول إلى مقاوم ليلاً، مثله مثل الكثيرين من شبان الجنوب حيث »حزب الله« في كل مكان وفي لا مكان في آن معاً، قائلاً: »نعتقد أن هناك رابطاًَ ما بينهم وبين إسرائيل«.
في 3 تموز/ يوليو، وبعد سلسلة اعتداءات لم تستهدف فقط الوحدة الفرنسية في قرية »تولين«، تعرضت قافلة عسكرية فرنسية لهجوم عنيف بالعصي والحجارة. وتمكن الأهالي من السيطرة على الآليات وإهانة أصحاب القبعات الزرق وتجريدهم من السلاح.
الكمين أعد بعناية من قبل »حزب الله« ولم يأتِ عفوياً كما يؤكد أهالي »تولين«. في سيارة المرسيدس كان أحد عناصر الحزب يتعقب الدورية الفرنسية، ممسكاً بهاتفه الخلوي لإبلاغ رجاله بالتعليمات ونصب كمين لقوات »اليونيفيل« في طريق مسدود. قبل أن يغادروا، توجه أحد المهاجمين إلى جندي فرنسي بالقول: »نحن نحذركم، من الآن فصاعداً تغير الوضع«. والمقصود باختصار: »لم نعد نرغب بدورياتكم المتطفلة«.
في مواجهة التهديدات الإسرائيلية التي تتهم »حزب الله« بإعادة تسلحه بقوة منذ 2006 يعمل »حزب الله« كي يكون طليق اليدين لتهيئة نفسه للصراع المقبل، مجازفاً بانتهاك قرار الأمم المتحدة 1701 الذي يمنح قوات الطوارئ الدولية مزيداً من الوسائل لمنع تدفق الأسلحة إلى جنوب لبنان.
قائد قوات »اليونيفيل« السابق الجنرال آلان بيليغريني الذي يعدّ كتاباً عن هذه القوات يرى »أن »حزب الله« يسعى اليوم لاستعادة السيطرة السرية على الأرض، ما يتيح له التحرك متى يشاء وحيثما يرغب«. أحداث تولين أظهرت أن »حزب الله« يمتلك معلومات قوية حول »اليونيفيل«، وأنه يستطيع »تربيع« المنطقة حسب مشيئته. كل ذلك يجري بدون إشهار أي قطعة سلاح، وهو ما يثير قلق الدول الغربية لا سيما وأن الميليشيا الشيعية تحظى نوعاً ما بحيادية الجيش اللبناني.
هجوم.. محتمل
قبل ثلاثة أيام من بدء المناورات الأممية في مطلع تموز/ يوليو الجاري، نصح وزير الدفاع اللبناني قوات »اليونيفيل« بـ»عدم التجوال على الأرض«. من جهته يؤكد مختار تبنين نبيل فواز بأنه حذر الفرنسيين مراراً بوجوب الانتباه.
الحراك الفرنسي يزعج »حزب الله«، إذ أن قسماً من أسلحته لا يزال مخفياً تحت المساجد وملاعب كرة القدم. ولكن الخبراء العسكريين الغربيين وبخلاف الإسرائيليين، لا يعتقدون أن »حزب الله« أدخل كميات كبيرة من الذخيرة إلى الجنوب منذ عام ٦٠٠٢. أولويته هي المنطقة الواقعة شمال منطقة »اليونيفيل« ونهر الليطاني. هناك، خبأ »حزب الله« أسلحته الأكثر تطوراً القادمة من سورية وإيران، بما في ذلك المناطق المسيحية.
تقاربه مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط سمح له كذلك بقضم الأراضي في القطاع الدرزي، إلى الشمال الشرقي من منطقة »اليونيفيل«، وهو ما من شأنه أن يؤمن للحزب مراكز أرضية بغاية الأهمية ابتداء من وادي البقاع المحاذي لسورية وانتهاء بمعاقله في جنوب لبنان. في منطقة النفوذ الجديدة هذه، يرسل »حزب الله« رسائله الواضحة، ففي الربيع الماضي على سبيل المثال، تم توقيف الملحق العسكري الهولندي على حاجز طيار للميليشيا الشيعية وتم تفتيش سيارته.
رسمياً، طويت صفحة الحوادث الأخيرة بين الفرنسيين و»حزب الله«. وعلى الأرض، دخن الجميع »نرجيلة السلام« خلال المباراة النهائية لكأس العالم. وفي بيروت التقى ديبلوماسيون ممثلين عن »حزب الله«. ولكن لا ينخدعن أحد.. »إذا لم يغير الفرنسيون سلوكهم، ستكون هناك ردة فعل أخرى« يقول هولو إبراهيم أحد سكان خربة سلم. والمقصود أن الوحدة الفرنسية أصبحت في مرمى النيران.