ابحث
العدد 768
9/9/2010  في

إنسوا تحية الجماهير بالعصا
البشير‮: ‬الانفصال على‮... ‬جثتي‮!!‬

الحركة الشعبية أقامت دولتها قبل الاستفتاء

التشاديون استقبلوه خوفاً‮ ‬من‮... ‬دولة الطوارق

لا مذكرة جلب بحق من حوّل القارة إلى حطام

قد لا‮ ‬يُفتن أحد بذلك المشهد الجليل،‮ ‬وحيث الماريشال‮ (‬تحديداً‮... ‬فخامة الماريشال‮) ‬يحيي‮ ‬الجماهير بالعصا‮. ‬عصا الماريشالية‮. ‬حسناً،‮ ‬مظفر النواب تحدث عن ذلك القائد الذي‮ ‬يحيينا بحذائه،‮ ‬فتغمرنا الغبطة لأنه تلطف وألقى علينا التحية‮..‬
وقد لا‮ ‬يفتن أحد بذلك الإسلام‮ (‬مع أن بعضنا‮ ‬ينبهر أمام إسلام أشد هولاً‮) ‬الذي‮ ‬يستخدم كمعطف عقائدي‮ ‬لنظام عسكري‮ ‬أو استخباراتي،‮ ‬فيما صاحب فكرة أسلمة السودان هو المفكر حسن الترابي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يأخذ بالاعتبار التعددية الإتنية والإيديولوجية في‮ ‬بلاده،‮ ‬يتنقل من معتقل إلى آخر ومن إقامة جبرية إلى أخرى‮.‬

وجه ديني‮ ‬للشيوعية

هذا مع الإشارة إلى أن السودانيين الذين‮ ‬يعرفون بدماثتهم حوّلوا في‮ ‬الشيوعية التي‮ ‬أصبح لها وجه ديني،‮ ‬فكان القادة الشيوعيون‮ ‬ينتقلون من الاجتماع الذي‮ ‬تطرح فيه نظريات كارل ماركس وفلاديمير ايليتش لينين وروزا لوكسمبرغ‮ ‬إلى المسجد للوقوف بين‮ ‬يدي‮ ‬الله وحده،‮ ‬وهم الذين‮ ‬يحفظون عن ظهر قلب ما نقله صحيح البخاري‮ ‬أو ما أفتى به الإمام الشافعي‮ ‬في‮ ‬كل المسائل‮.‬
ولكن شئنا أم أبينا فإن الرئيس عمر حسن البشير أضحى رمزاً‮ ‬لوحدة السودان،‮ ‬ولا ندري‮ ‬مدى تورطه في‮ ‬أعمال الإبادة التي‮ ‬قامت بها جماعات الجنجويد،‮ ‬وهي‮ ‬تمتطي‮ ‬الأحصنة العربية الأصيلة،‮ ‬أو الجمال التي‮ ‬نشعر بقرابتنا الثقافية منها‮ (‬وكنا ذات‮ ‬يوم نشعر بقرابتنا البيولوجية،‮ ‬وهي‮ ‬تظل أفضل بكثير مما‮ ‬يظهره العلماء حول قرابتنا العميقة للشمبانزي‮)...‬
أولئك الرجال الذين‮ ‬يقولون إنهم‮ ‬يتحدرون من أصل عربي‮ ‬قاموا بما قام به عرب آخرون في‮ ‬القارة السمراء‮. ‬قتلوا الآلاف من المسلمين لأنهم‮ ‬يريدون أن‮ ‬يعيشوا كما‮ ‬يعيش الآخرون‮. ‬عرب آخرون‮ (‬في‮ ‬مالي‮ ‬مثلاً‮) ‬قتلوا المسلمين لأنهم لا‮ ‬ينتمون إلى‮... ‬قريش‮.‬

أوكامبو‮ ‬يطارد‮..‬

المسؤولون‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يحاكموا فعلاً‮. ‬ها إن المدعي‮ ‬العام لدى المحكمة الدولية لويس مورينو‮ - ‬أوكامبو‮ ‬يطارد الرئيس البشير‮ (‬مذكرتا جلب حتى الآن‮). ‬بالطبع لم‮ ‬يهتز ضمير الرجل،‮ ‬ولم‮ ‬يرف له جفن،‮ ‬حين كانت طائرات الأباتشي‮ ‬تلقي‮ ‬بالقنابل الفوسفورية على الأطفال في‮ ‬غزة‮ (‬سقط منهم‮ ‬400‮ ‬قتيل‮). ‬إسرائىل شيء آخر‮. ‬وللعلم فإن أهالي‮ ‬دارفور‮ »‬كانوا‮« ‬معادين للدولة العبرية،‮ ‬قبل أن تتولى هيئات إنسانية نقل عدد من جرحاهم إلى مستشفيات إسرائىلية‮.‬

أبقارنا العزيزة

الأرجنتيني‮ ‬أوكامبو‮ ‬يبدو أنه لم‮ ‬يقرأ صرخة ابن بلده خورخي‮ ‬بورخيس الذي‮ ‬وصفه أحد النقاد بهوميروس العصر‮: »‬بقي‮ ‬الهواء وحيداً‮ ‬ومعذباً‮ ‬بعدما أخذوا حتى الأبقار،‮ ‬أبقارنا العزيزة،‮ ‬على متن السفن‮«. ‬ولهذا لم‮ ‬يصدر مذكرة جلب بحق ذلك الرجل الأبيض الذي‮ ‬حوّل القارة كلها،‮ ‬إلا ما ندر،‮ ‬إلى حطام‮ ‬يترنح بين الإيدز والمجاعة،‮ ‬وبين الانقلابات العسكرية والمعارك القبلية‮..‬
الآن السودان أمام اختبار مصيري‮. ‬بحسب اتفاق نيفاشا،‮ ‬فإن استفتاء سيجري‮ ‬في‮ ‬جنوب السودان لكي‮ ‬يقرر أهل المنطقة الغنية بالنفط،‮ ‬وبالمعادن الأخرى،‮ ‬ما إذا كانوا سيبقون سودانيين أم‮ ‬يختارون الانفصال ويقيمون دولتهم المستقلة التي‮ ‬يبدو أنها قامت،‮ ‬فعلاً،‮ ‬قبل موعد الاستفتاء في‮ ‬كانون الثاني‮/ ‬يناير المقبل‮..‬
بطبيعة الحال،‮ ‬حين وقّع البشير الاتفاق لم‮ ‬يكن‮ ‬يكرّس،‮ ‬ضمناً،‮ ‬مسار الانفصال على الرغم من أن كل التدخلات الخارجية،‮ ‬وعلى رأسها التدخلات الأميركية والإسرائىلية،‮ ‬كانت تنحو في‮ ‬هذا الاتجاه‮. ‬أيضاً‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يبغي‮ »‬استراحة المحارب‮«‬،‮ ‬بل مهلة زمنية لكي‮ ‬يعيد السودانيون اكتشاف بعضهم البعض‮. ‬وهكذا أصبح النائب الأول لرئيس الجمهورية جنوبياً،‮ ‬ونائب رئيس البرلمان،‮ ‬وتم تعيين وزراء ونواب من الجنوب،‮ ‬فيما كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان تحفر في‮ ‬اتجاه آخر،‮ ‬أي‮ ‬في‮ ‬اتجاه الاستقلال‮..‬

اعترفْ‮ ‬بإسرائيل تَسْلمْ‮..‬

إحدى المشكلات الكبرى للبشير أنه ليس جعفر النميري‮ ‬الذي‮ ‬استخدم كوسيط لنقل‮ ‬يهود أثيوبيا‮ (‬الفالاشا‮) ‬إلى إسرائىل،‮ ‬وأنه رفض‮ »‬عروضاً‮« ‬للاعتراف بالدولة العبرية التي‮ ‬تريد أن تستخدم السودان كنقطة انطلاق لأغراض استراتيجية تطاول حتى منابع نهر النيل‮. ‬ومع اعتبار أن السودان هو الدولة العربية الوحيدة التي‮ ‬بمساحتها الأكبر‮ (‬2‭.‬505‭.‬813‮ ‬كيلومتراً‮ ‬مربعاً‮) ‬تتاخم تسع دول،‮ ‬هي‮ ‬أثيوبيا‮ (‬1606‮ ‬كيلومترات‮)‬،‮ ‬أريتريا‮ (‬605‮)‬،‮ ‬تشاد‮ (‬1360‮)‬،‮ ‬مصر‮ (‬1273‮)‬،‮ ‬جمهورية إفريقيا الوسطى‮ (‬1165‮)‬،‮ ‬الكونغو الديموقراطي‮ (‬628‮)‬،‮ ‬أوغندا‮ (‬435‮)‬،‮ ‬ليبيا‮ (‬383‮)‬،‮ ‬كينيا‮ (‬232‮)...‬

الجميع‮ ‬يتدخلون

هذا‮ ‬يعني‮ ‬أنها تعيش على تخوم كل تلك الأوضاع المعقدة‮. ‬الجميع‮ ‬يتدخلون في‮ ‬الشؤون الداخلية للجميع‮. ‬وبالطبع،‮ ‬لطالما حركت واشنطن،‮ ‬ومعها تل أبيب،‮ ‬الأثيوبيين والتشاديين والأوغنديين والأريتريين ضد السودان ولأغراض مختلفة،‮ ‬فيما كان الجنوب‮ ‬يتلقى دعماً‮ ‬من بلدان كثيرة،‮ ‬وكان ضباط الحركة الشعبية وعلى رأسهم العقيد جو قرنق الذي‮ ‬قضى في‮ ‬حادث طائرة‮ ‬يتدربون في‮ ‬إسرائىل‮..‬
الآن الاستفتاء،‮ ‬وليس صحيحاً‮ ‬أن الحركة حاولت إطلاق بديل عن الانفصال خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة،‮ ‬أي‮ ‬انتخاب مرشحها الجنوبي‮ ‬ياسر عرمان رئيساً‮ ‬للدولة‮. ‬من‮ ‬يضمن ألا‮ ‬يدفع السودان في‮ ‬اتجاه ما،‮ ‬علماً‮ ‬بأن المناخ العام بين الناس لا‮ ‬يسمح بانتخاب جنوبي‮ ‬يحيط الغموض الشديد بعلاقاته الدولية والإقليمية‮.‬

لا انفصال‮..‬

قرار البشير لا انفصال للسودان‮. ‬خصمه التقليدي‮ ‬الرئيس التشادي‮ ‬إدريس ديبي‮ ‬أدرك أن نجاح الانفصال في‮ ‬السودان‮ ‬ينقل العدوى إلى بلاده التي‮ ‬يمكن للسودانيين،‮ ‬وربما لليبيين أيضاً،‮ ‬أن‮ ‬يثيروا في‮ ‬داخلها الكثير من المشاكل وتقوم‮ »‬دولة الطوارق‮«. ‬على هذا الأساس،‮ ‬تجاوز التشاديون توقيعهم على اتفاق روما حول المحكمة الجنائية الدولية،‮ ‬ووضعوا مذكرتي‮ ‬الجلب جانباً،‮ ‬وسلموا مفتاح عاصمتهم نجامينا للضيف السوداني‮ ‬الذي‮ ‬أحسن صنعاً‮ ‬بتلك الخطوة التي‮ ‬سبقتها خطوة داخلية،‮ ‬أي‮ ‬لقاؤه زعيم حزب الأمة الصادق المهدي،‮ ‬طالباً‮ ‬إليه بذل المساعي‮ ‬مع الجنوبيين من أجل رفض الانفصال‮..‬
الانفصال الذي‮ ‬لو حصل لكان أدى إلى زعزعة السودان‮. ‬دولة دارفور لاحقاً،‮ ‬فيما لعبة الدومينو لا بد أن تتجه إلى دول عربية كثيرة تعيش توترات شتى،‮ ‬وهي‮ ‬مهيأة لاستفتاءات من ذلك القبيل‮...‬

حروب القبائل‮..‬

ماذا‮ ‬يفعل العرب لتدارك ذلك؟ بالطبع لا مجال لإرسال قوة عسكرية إلى‮ »‬ذلك المجهول‮«‬،‮ ‬كما كتب معلق‮ »‬رسمي‮« ‬عربي‮. ‬ولكن بالإمكان مساعدة الخرطوم بوسائل شتى،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك الوسائل الديبلوماسية لأن للانفصال تداعياته الكارثية‮..‬
البشير أبلغ‮ ‬حكاماً‮ ‬عرباً‮: »‬الانفصال على جثتي‮«. ‬إذاً،‮ ‬ننسى عصا الماريشال،‮ ‬وتحية العصا‮. ‬الكل في‮ ‬خندق واحد،‮ ‬من دون أن‮ ‬يعني‮ ‬هذا إخضاع أهل الجنوب،‮ ‬وهم ضحايا،‮ ‬بالدبابات والطائرات،‮ ‬بل بالحجة القومية لأن ثمة من‮ ‬يدفعهم إلى مستنقع لا نهاية له لأن القبائل لا بد أن تبدأ حرباً‮ ‬في‮ ‬ما بينها لمن‮ ‬يعرف تلك التركيبة الغريبة للحركة الشعبية لتحرير السودان‮. ‬كل رأس في‮ ‬اتجاه‮..

تعليقات القراء

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المحرر العربي.

 
الإســم
البريد الإلكتروني
التعـلـيـق
أرسل التعليق

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات
الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


للمزيد