إنسوا تحية الجماهير بالعصا
البشير: الانفصال على... جثتي!!
الحركة الشعبية أقامت دولتها قبل الاستفتاء
التشاديون استقبلوه خوفاً من... دولة الطوارق
لا مذكرة جلب بحق من حوّل القارة إلى حطام
قد لا يُفتن أحد بذلك المشهد الجليل، وحيث الماريشال (تحديداً... فخامة الماريشال) يحيي الجماهير بالعصا. عصا الماريشالية. حسناً، مظفر النواب تحدث عن ذلك القائد الذي يحيينا بحذائه، فتغمرنا الغبطة لأنه تلطف وألقى علينا التحية..
وقد لا يفتن أحد بذلك الإسلام (مع أن بعضنا ينبهر أمام إسلام أشد هولاً) الذي يستخدم كمعطف عقائدي لنظام عسكري أو استخباراتي، فيما صاحب فكرة أسلمة السودان هو المفكر حسن الترابي الذي لم يأخذ بالاعتبار التعددية الإتنية والإيديولوجية في بلاده، يتنقل من معتقل إلى آخر ومن إقامة جبرية إلى أخرى.
وجه ديني للشيوعية
هذا مع الإشارة إلى أن السودانيين الذين يعرفون بدماثتهم حوّلوا في الشيوعية التي أصبح لها وجه ديني، فكان القادة الشيوعيون ينتقلون من الاجتماع الذي تطرح فيه نظريات كارل ماركس وفلاديمير ايليتش لينين وروزا لوكسمبرغ إلى المسجد للوقوف بين يدي الله وحده، وهم الذين يحفظون عن ظهر قلب ما نقله صحيح البخاري أو ما أفتى به الإمام الشافعي في كل المسائل.
ولكن شئنا أم أبينا فإن الرئيس عمر حسن البشير أضحى رمزاً لوحدة السودان، ولا ندري مدى تورطه في أعمال الإبادة التي قامت بها جماعات الجنجويد، وهي تمتطي الأحصنة العربية الأصيلة، أو الجمال التي نشعر بقرابتنا الثقافية منها (وكنا ذات يوم نشعر بقرابتنا البيولوجية، وهي تظل أفضل بكثير مما يظهره العلماء حول قرابتنا العميقة للشمبانزي)...
أولئك الرجال الذين يقولون إنهم يتحدرون من أصل عربي قاموا بما قام به عرب آخرون في القارة السمراء. قتلوا الآلاف من المسلمين لأنهم يريدون أن يعيشوا كما يعيش الآخرون. عرب آخرون (في مالي مثلاً) قتلوا المسلمين لأنهم لا ينتمون إلى... قريش.
أوكامبو يطارد..
المسؤولون ينبغي أن يحاكموا فعلاً. ها إن المدعي العام لدى المحكمة الدولية لويس مورينو - أوكامبو يطارد الرئيس البشير (مذكرتا جلب حتى الآن). بالطبع لم يهتز ضمير الرجل، ولم يرف له جفن، حين كانت طائرات الأباتشي تلقي بالقنابل الفوسفورية على الأطفال في غزة (سقط منهم 400 قتيل). إسرائىل شيء آخر. وللعلم فإن أهالي دارفور »كانوا« معادين للدولة العبرية، قبل أن تتولى هيئات إنسانية نقل عدد من جرحاهم إلى مستشفيات إسرائىلية.
أبقارنا العزيزة
الأرجنتيني أوكامبو يبدو أنه لم يقرأ صرخة ابن بلده خورخي بورخيس الذي وصفه أحد النقاد بهوميروس العصر: »بقي الهواء وحيداً ومعذباً بعدما أخذوا حتى الأبقار، أبقارنا العزيزة، على متن السفن«. ولهذا لم يصدر مذكرة جلب بحق ذلك الرجل الأبيض الذي حوّل القارة كلها، إلا ما ندر، إلى حطام يترنح بين الإيدز والمجاعة، وبين الانقلابات العسكرية والمعارك القبلية..
الآن السودان أمام اختبار مصيري. بحسب اتفاق نيفاشا، فإن استفتاء سيجري في جنوب السودان لكي يقرر أهل المنطقة الغنية بالنفط، وبالمعادن الأخرى، ما إذا كانوا سيبقون سودانيين أم يختارون الانفصال ويقيمون دولتهم المستقلة التي يبدو أنها قامت، فعلاً، قبل موعد الاستفتاء في كانون الثاني/ يناير المقبل..
بطبيعة الحال، حين وقّع البشير الاتفاق لم يكن يكرّس، ضمناً، مسار الانفصال على الرغم من أن كل التدخلات الخارجية، وعلى رأسها التدخلات الأميركية والإسرائىلية، كانت تنحو في هذا الاتجاه. أيضاً لم يكن يبغي »استراحة المحارب«، بل مهلة زمنية لكي يعيد السودانيون اكتشاف بعضهم البعض. وهكذا أصبح النائب الأول لرئيس الجمهورية جنوبياً، ونائب رئيس البرلمان، وتم تعيين وزراء ونواب من الجنوب، فيما كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان تحفر في اتجاه آخر، أي في اتجاه الاستقلال..
اعترفْ بإسرائيل تَسْلمْ..
إحدى المشكلات الكبرى للبشير أنه ليس جعفر النميري الذي استخدم كوسيط لنقل يهود أثيوبيا (الفالاشا) إلى إسرائىل، وأنه رفض »عروضاً« للاعتراف بالدولة العبرية التي تريد أن تستخدم السودان كنقطة انطلاق لأغراض استراتيجية تطاول حتى منابع نهر النيل. ومع اعتبار أن السودان هو الدولة العربية الوحيدة التي بمساحتها الأكبر (2.505.813 كيلومتراً مربعاً) تتاخم تسع دول، هي أثيوبيا (1606 كيلومترات)، أريتريا (605)، تشاد (1360)، مصر (1273)، جمهورية إفريقيا الوسطى (1165)، الكونغو الديموقراطي (628)، أوغندا (435)، ليبيا (383)، كينيا (232)...
الجميع يتدخلون
هذا يعني أنها تعيش على تخوم كل تلك الأوضاع المعقدة. الجميع يتدخلون في الشؤون الداخلية للجميع. وبالطبع، لطالما حركت واشنطن، ومعها تل أبيب، الأثيوبيين والتشاديين والأوغنديين والأريتريين ضد السودان ولأغراض مختلفة، فيما كان الجنوب يتلقى دعماً من بلدان كثيرة، وكان ضباط الحركة الشعبية وعلى رأسهم العقيد جو قرنق الذي قضى في حادث طائرة يتدربون في إسرائىل..
الآن الاستفتاء، وليس صحيحاً أن الحركة حاولت إطلاق بديل عن الانفصال خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أي انتخاب مرشحها الجنوبي ياسر عرمان رئيساً للدولة. من يضمن ألا يدفع السودان في اتجاه ما، علماً بأن المناخ العام بين الناس لا يسمح بانتخاب جنوبي يحيط الغموض الشديد بعلاقاته الدولية والإقليمية.
لا انفصال..
قرار البشير لا انفصال للسودان. خصمه التقليدي الرئيس التشادي إدريس ديبي أدرك أن نجاح الانفصال في السودان ينقل العدوى إلى بلاده التي يمكن للسودانيين، وربما لليبيين أيضاً، أن يثيروا في داخلها الكثير من المشاكل وتقوم »دولة الطوارق«. على هذا الأساس، تجاوز التشاديون توقيعهم على اتفاق روما حول المحكمة الجنائية الدولية، ووضعوا مذكرتي الجلب جانباً، وسلموا مفتاح عاصمتهم نجامينا للضيف السوداني الذي أحسن صنعاً بتلك الخطوة التي سبقتها خطوة داخلية، أي لقاؤه زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، طالباً إليه بذل المساعي مع الجنوبيين من أجل رفض الانفصال..
الانفصال الذي لو حصل لكان أدى إلى زعزعة السودان. دولة دارفور لاحقاً، فيما لعبة الدومينو لا بد أن تتجه إلى دول عربية كثيرة تعيش توترات شتى، وهي مهيأة لاستفتاءات من ذلك القبيل...
حروب القبائل..
ماذا يفعل العرب لتدارك ذلك؟ بالطبع لا مجال لإرسال قوة عسكرية إلى »ذلك المجهول«، كما كتب معلق »رسمي« عربي. ولكن بالإمكان مساعدة الخرطوم بوسائل شتى، بما في ذلك الوسائل الديبلوماسية لأن للانفصال تداعياته الكارثية..
البشير أبلغ حكاماً عرباً: »الانفصال على جثتي«. إذاً، ننسى عصا الماريشال، وتحية العصا. الكل في خندق واحد، من دون أن يعني هذا إخضاع أهل الجنوب، وهم ضحايا، بالدبابات والطائرات، بل بالحجة القومية لأن ثمة من يدفعهم إلى مستنقع لا نهاية له لأن القبائل لا بد أن تبدأ حرباً في ما بينها لمن يعرف تلك التركيبة الغريبة للحركة الشعبية لتحرير السودان. كل رأس في اتجاه..