مسرح وكل اللاعبين أشباح
لا حرب الآن... الحرب الآن!!
من سيفجّر أولاً »حزب الله« أم إسرائىل؟
فلسفة التأجيل لبقاء الحكومة أم لانتظار تغيرات دراماتيكية؟
الحديث عن »سيناريوات خيالية« في المواجهة المقبلة
الماريشال نواف الموسوي: صواريخ عابرات للقارات ضد أميركا
يقول الأمين العام لـ»حزب الله« حسن نصرالله ونائبه الشيخ نعيم قاسم »لا حرب الآن«، لكن كل شيء على الأرض، وتحت الأرض، يشير إلى أن الحزب يعتقد أن »الحرب الآن«...
هو حديث الحرب. تسمع هذا من سائق التاكسي، ومن المحلل السياسي، وسواء كان من أصحاب الثقافة الشاسعة أم كان من الطراز الشائع الآن، وأيضاً من هذا الوزير أو ذاك. ولكن حينما تذهب جنوباً وتشاهد تلك »الثورة العمرانية« تسأل ما إذا كان »حزب الله« »يستطيع« أن يدمّر كل هذا من خلال صناعة الحرب، وإن كانت كل المعطيات تشير إلى أن »الصناعة الإسرائيلية«، وسواء وردت هذه المعطيات من واشنطن أو من عمان التي ترصد بدقة ما يجري داخل الجدران في إسرائىل، وصولاً إلى رام الله التي أبلغت قيادات فلسطينية في مخيمي عين الحلوة والرشيدية أن الأشهر المقبلة أشهر خطيرة. استعدوا من الآن للنزول إلى الملاجئ..
فلسفة التأجيل..
لاحظوا أن فلسفة الدولة في لبنان باتت تختزل بكلمة واحدة »التأجيل«. حتى الآن لا قرار بتأجيل شروق الشمس للحد من الضوضاء ومن »حمارّة القيظ«. وهذا الوضع بات يثير القلق، هل أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري تلجأ، مضطرة، إلى ذلك الأسلوب لأن الاقتراب من الملفات الساخنة، حتى ولو كانت تتعلق بالتعيينات الإدارية، يحرق الأصابع، وقد يفجر الحكومة لا سيما وأن هناك من يخطط لذلك، أم هل أن التأجيل يحصل، ويحصل، لأن الكل يتوقع تطورات تؤدي إلى إحداث تغييرات دراماتيكية في المشهد السياسي وحتى في المشهد الاستراتيجي؟
وكان قد تردد أن رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط يزمع زيارة واشنطن للالتقاء بصديقه (ربما العاتب جداً) جيفري فيلتمان، مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، للاستيضاح منه حول آفاق المرحلة المقبلة، إذ لا يمكن للبنان أن يبقى مثل أبي الطيب المتنبي »قلق كأني على ريح«. وهنا »قلق كأني على نار«...
ضوضاء الحرب
واقعاً، لبنان يعيش ضوضاء الحرب: كيف سيتم التعاطي مع القرار الظني للمدعي العام الدولي دانيال بيلمار بعدما بات واضحاً إلى أين ستوجه الأصابع؟ وهل حقاً أن إسرائىل التي تراهن على الزعزعة الداخلية لدى صدور القرار، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان الجنرال غابي أشكنازي، ستستغل هذا الوضع من أجل شن حرب استباقية على »حزب الله« لمنعه من أي ردة فعل صاروخية إذا ما قررت حكومة بنيامين نتنياهو توجيه ضربة واسعة النطاق للمنشآت النووية الإيرانية؟
هذا بعدما جحظت عيون الكثيرين في لبنان، وهم يسمعون الرئيس الروسي ديمتري مديفيديف (بالذات) يتحدث عن اقتراب إيران من صناعة القنبلة النووية. وقيل إن الضوء الأخضر لتل أبيب يأتي، هذه المرة، من موسكو لا من واشنطن..
ولكن ماذا لو شن »حزب الله« حرباً استباقية على الحرب الاستباقية؟ ربما يحدث هذا بإيعاز إيراني إذا ما انتهت بها العقوبات الشديدة إلى حالة ما تشبه حالة الاختناق...
الماريشال نواف الموسوي
هنا المسألة حساسة. منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد يحلو له أن يصف النائب نواف الموسوي بـ»الماريشال نواف الموسوي« لأن مواقفه تتراوح، في قوتها التفجيرية، بين صاروخ »رعد« وصاروخ »زلزال«، أما الآن، فقد أصبحت مواقفه عابرة للقارات، وإلى حد التهديد بالحرب ضد الولايات المتحدة. هذا يحتاج إلى صواريخ - مثل المواقف - عابرة للقارات. بعد حين قد نسمع من مسؤول عسكري إسرائىلي أنه تم تهريب مثل تلك الصواريخ إلى الحزب..
تلة مليتا..
الحزب رفع كثيراً من مستوى جهوزيته. وحين كنا في متحف المقاومة على تلة مليتا حيث انطلقت بدايات العمل العسكري لـ»حزب الله« شاهد أحدهم مدفعاً متطوراً مضاداً للدبابات، وكان دوره مؤثراً جداً في مجزرة الميركافا في وادي الحجير، وسأل »الدليل السياحي« في المكان ما إذا كان عرض هذا المدفع يعني أن الحزب بات يمتلك مدافع أكثر فاعلية. ضحك »الدليل«. وعندما سألنا مسؤولاً في الحزب ما إذا كان ذلك صحيحاً، وما إذا كان صحيحاً الحديث عن حيازة الحزب صواريخ مضادة للطائرات، كان الجواب: »هذا لا يدركه إلا العالمون بـ...«. بطبيعة الحال، لم يقل »العالمين بالغيب«.
سيناريوات خيالية
لا ريب أن استعدادات هائلة قد اتخذت، ويحكى عن سيناريوات، وتقنيات، وأساليب قتال قد تكون »خيالية« ما دامت أي حرب ستكون حرب بقاء، حتى أن الإسرائىليين تحدثوا عن حفر أنفاق تحت الخط الأزرق، ربما بعدما سمعوا أن مقاتلي الحزب، سينقلون الحرب إلى داخل إسرائىل. لكن زائر الجنوب يلاحظ الاسترخاء الشديد. مطاعم فاخرة، وأبنية وقصور وفيلات تثير دهشة (واستهجان) الزوار الأجانب الذين يعتبرون أن الجنوب اللبناني أشبه ما يكون بالريف الإيراني المثقل بالمشكلات على أنواعها..
الحرب مجازفة كبرى، كارثة كبرى، خصوصاً مع الكلام عن أن ثمة من سيحولها إلى حرب شاملة، أي أنها لن تكون على شاكلة ما جرى في صيف عام 2006 حيث استهدفت مناطق بعينها. وهنا يسخر الخبراء العسكريون من »معلومات« تتردد، ديبلوماسياً، بين الحين والآخر، وتقول إن هناك عواصم غربية فاعلة تضغط لكي تكون أي حرب مقبلة على لبنان موضعية و»نظيفة«، أي أقل عدد ممكن من القتلى المدنيين وعدم تدمير البنى التحتية..
أعلى جسر في المنطقة
وتلك »المعلومات« تقول إنه لو كانت الحرب المقبلة ستشمل تلك البنى لما تكبدت الخزينة الأميركية ملايين الدولارات من أجل إعادة ترميم ما يعرف بـ»جسر المديرج« على طريق بيروت - دمشق، وهو أعلى جسر في الشرق الأوسط، وعمدت الطائرات الإسرائيلية إلى تدمير أجزاء محورية منه في حرب 2006، فقط للتدمير لأن الطرقات البديلة لا حصر لها لاستخدامها في أغراض لوجيستية أو عملانية..
الخبراء يعتبرون أن أي حرب لا يمكن إلا أن تكون آخر الحروب فعلاً. لا مجال لنصف حرب، ولا لربع حرب، كما في أوقات سابقة، حتى وإن كان ريتشارد هاس، وهو مسؤول سابق عن الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، أكد على استمرار النزف في المنطقة كـ»ضرورة تكتيكية واستراتيجية على السواء«.
ولعل البعض يذكر ما كتبه أمنون كابيلوك من »أن أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الحروب في الشرق الأوسط هو الحديث المتواصل عن الحرب«. هذا الحديث »يصنع« المناخ الذي يضغط على صانعي القرار، وقد يكون من مصلحتهم المناخ إياه، وإن كان قد استدرك، معتبراً أن أزمة »بهذا العمق الاستراتيجي والإيديولوجي« لا بد أن تنتج حرباً ضد أخرى في منطقة لا تزال رهينة »قناعات ميتافيزيقية معينة ومتبادلة لخلاص العالم«.
الأعباء والأزمة المالية
ثقيلة جداً، وهائلة جداً، أعباء الحرب. حتماً لا يمكن لـ»حزب الله« أن يتحمل ذلك، مع اتساع الأزمة المالية التي يواجهها الكثيرون، لا سيما إيران. وكان قد قيل إن الإسرائيليين استعاضوا عن الحرب العسكرية بالحرب الاستخباراتية. هنا مقاومة الدولة التي أثبتت أنها لا تقل شأناً عن مقاومة الحزب. ما تفوه به موظفا شركة »ألفا« للهاتف الخليوي يثير الهلع فعلاً. كل لبنان في قبضة الموساد. أيضاً ما أدلى به عملاء آخرون. كل يوم يكشف عن عميل حتى بات اللبنانيون يخافون أن يكون هناك جاسوس إسرائىلي داخل فراش كل واحد منهم..
الاحتلال الاستخباراتي
ونسمع من أحد الوزراء أن الدولة اللبنانية، وعبر مديرية المخابرات في الجيش كما شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، حررت لبنان، وليس أجزاء منه، من الاحتلال الاستخباراتي الإسرائيلي. إذاً، حين يحكى عن رغبة تل أبيب في الانتقام من »حزب الله«، ينبغي أن يضاف إلى ذلك أمر آخر »الانتقام من الدولة اللبنانية أيضاً«.
المسرح ضيق جداً. لكن كل هذا يحدث فوقه على أمل أن تبقى الأوضاع في سياقها الحالي ولا تنفجر، ولا تدفع بلبنان نحو العزلة الدولية، فما حدث للاتفاقيتين الأمنيتين مع الولايات المتحدة وفرنسا يكشف عن حالة الالتباس التي تواجهها السياسة اللبنانية، حتى وإن قيل، بالنسبة إلى الاتفاقية الفرنسية تحديداً، إن الإسرائيليين الذين عقدوا اتفاقات أمنية مع دول غربية عدة يريدون الدخول إلى »بعض الأدغال اللبنانية« من خلال اتفاقات تعقد بين هذه الدول ولبنان..
لروبرت فيسك هذا التعبير: »مسرح وكل اللاعبين... أشباح«!!
إشارات الحرب أكثر بكثير من إشارات السلام. تسخين المعلومات من أجل شق الطريق أمام الديبلوماسية. كم يتمنى اللبنانيون ذلك لأن كل حرب تحط رحالها، بطريقة أو بأخرى، عندهم.
أجل مسرح...