ابحث
العدد 768
9/9/2010  في

عراق واحد أم مقاطعات مذهبية‮ ..‬؟

نهاد الغادري

ماذا‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬العراق وإلى أين‮ ..‬؟‮ . ‬سؤال‮ ‬يطرحه ما‮ ‬يشهد العراق من انقسام سياسي‮ ‬مذهبي‮ ‬قومي‮ ‬يتعذر معه قيام حكومة تدير شؤون الناس بوصفهم جماعة‮ ‬،‮ ‬أو جماعات‮ . ‬مستقرة على أرض واحدة ومشتركة‮ . ‬
فرح البعض بسقوط صدام واحتلال العراق بكذبة أسلحة الدمار الشامل التي‮ ‬اخترعوها للجلبي‮ ‬وصدقوها‮ . ‬غير أن أحداً‮ ‬لم‮ ‬يحسب حساب ما بعد السقوط وانفجار الواقع العراقي‮ ‬متعدد الانتماءات‮ . ‬فقد أدى الاحتلال وسقوط صدام وشعار الديموقراطية إلى تمزيق بنية العراق الداخلية ويهدد تمزيقه وواقعه بالانسياح والتمدد‮ . ‬قبل ذلك أدى انقلاب عبد الكريم قاسم إلى سقوط النظام القديم وولادة نظام عنف دموي‮ ‬لم‮ ‬يكن قادراً‮ ‬على الاستمرار لأن العنف‮ ‬يلد العنف ولأن نظام ما قبل قاسم تماماً‮ ‬كنظام ما قبل الاحتلال الأميركي‮ ‬كان أصون لوحدة العراقيين وربما أرحم بهم من واقعهم‮ . ‬
اليوم‮ ‬يعيش العراق ديموقراطية الشكل دون محتواها‮ . ‬ديموقراطية دون ديموقراطية‮ . ‬ومن سخريات السياسة وعبثها أن زعامات العراق اليوم تتطلع لإنتاج نظام جديد على‮ ‬غرار النظام السابق شدة وقسوة ومركزية‮ .‬
لم تعد مشكلة العراق مشكلة الحرية والديموقراطية وحق التعبير‮ . ‬أصبح البقاء موحداً‮ ‬هو القضية واللحمة الوطنية هي‮ ‬الهدف‮ .‬
يمكن لمن‮ ‬يقرأ التاريخ أن‮ ‬يعتبر العراق حالة خاصة بحكم انقسامه المذهبي‮ ‬إلى وحدتين بشريتين‮ : ‬سنة وشيعة‮ ‬،‮ ‬متقاربتي‮ ‬العدد متصارعتين على السلطة لا على بناء العراق‮ . ‬هنالك وحدة بشرية ثالثة هي‮ ‬الأكراد تتطلع لحكم ذاتي‮ ‬مقدمة للانفصال وقيام دولة كردية تمزق أربع دول في‮ ‬المنطقة هي‮ : ‬تركيا‮ ‬،‮ ‬سورية‮ ‬،‮ ‬العراق وإيران‮ . ‬هذه الدولة المشروع‮ ‬يتم توظيفها خارجياً‮ ‬لتطويع الأنظمة أكثر مما توظف لإقامة وطن حلم ممنوع‮ .‬
يمكن للمراقب استخلاص نتيجة واحدة مما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬العراق وهي‮ ‬أن بقاء الاحتلال قد‮ ‬يكون أفضل وربما كان ذلك بالضبط ما‮ ‬يتطلع له فريق من العراقيين‮ ‬،‮ ‬أو ما‮ ‬يتم برمجته خارجياً‮ ‬على أرض الواقع لإحكام السيطرة على الموارد‮ . ‬
يثير ما‮ ‬يحدث في‮ ‬العراق مخاوف شتى‮ . ‬مخاوف إقليمية‮ : ‬تركيا‮ ‬،‮ ‬سورية‮ ‬،‮ ‬الخليج‮ .. ‬ومخاوف دولية‮ : ‬أميركا‮ ‬،‮ ‬أوروبا‮ . ‬وحدها إيران تنافس الاحتلال‮ ‬،‮ ‬تمسك بأوراق داخلية تمنحها حضوراً‮ ‬وتغذي‮ ‬شهيتها للتوسع‮ . ‬
لا تقف المخاوف عند حدود التقسيم القومي‮ : ‬عرب‮ - ‬أكراد‮ ‬،‮ ‬بل التقسيم المذهبي‮ : ‬سنة شيعة‮ ‬،‮ ‬وانفجار هذا الانقسام على مدى النفط‮ . ‬نتوقف قليلاً‮ ‬عند هذه النقطة‮ . ‬احتلال العراق كان جزءاً‮ ‬من مشروع الشرق الأوسط الجديد للمحافظين الجدد‮ . ‬وبالرغم من سقوط الجمهوريين حاضني‮ ‬المشروع في‮ ‬واشنطن وتراجع نفوذ المحافظين فإن مشروع التقسيم والتغيير مستمر بذاتيته وانهيار وحدة العراق وانقسامه المذهبي‮ ‬وانفجار علاقات أطيافه‮ .‬
لا أحد‮ ‬يستطيع اليوم أن‮ ‬يبدل هذا الواقع الممزق‮ . ‬فقد أطلق الاحتلال أحلاماً‮ ‬كثيرة لأنصاف الشعوب وأنصاف الزعامات وأنصاف الدول‮ . ‬وبقدر ما‮ ‬يخشى المراقبون والعرب من تقسيم العراق بوصفه جزءاً‮ ‬من التاريخ‮ ‬يخشون من التداعيات ومعها التقسيم على امتداد المنطقة وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬الخليج‮ . ‬وإذن فالحالة العراقية ذات عدوى ويخشاها الجميع‮ . ‬من هنا فإن ما‮ ‬يجري‮ ‬هناك في‮ ‬بغداد وجوارها‮ ‬يؤسس لمستقبل الشرق الأوسط وليس محصوراً‮ ‬بجغرافيته‮ . ‬وقد‮ ‬يكون الخليج تحديداً‮ ‬هو الهدف الحقيقي‮ ‬لما بعد الاحتلال‮ . ‬
هنا‮ ‬يمكن ملاحظة أنه بقدر ما كان هدف المحافظين الجدد من احتلال العراق السيطرة على نفطه فقد كان إعادة تشكيل جغرافيا المنطقة وتقسيمها وإشغالها بخلافات وحروب أهلية تستنفدها وتمنح إسرائيل استقراراً‮ ‬وأمناً‮ ‬دائمين‮ . ‬فالمنطقة التي‮ ‬تشغلها خلافاتها وحروبها وانقساماتها لن تكون لأمد طويل مطلوب قادرة على مواجهة أي‮ ‬شكل من أشكال الخطر أو تحديه‮ . ‬وبحكم ما أنتجته الحروب والهزائم والصراعات فإن البنية السياسية والشعبية العربية لما تبقى بعد خروج مصر وسقوط العراق أضعف من أن تواجه خطراً‮ ‬أو تقيم دولة مستقرة‮ . ‬طبعاً‮ ‬يفترض هذا الواقع اتفاقات حماية دائمة وصفقات سلاح واستنفاد الموارد فضلاً‮ ‬عن السيطرة على جغرافية النفط ومحيطه‮ .. ‬فضلاً‮ ‬عن استيلاد أنظمة جديدة وزعامات جديدة‮ . ‬
نتوقف قليلاً‮ ‬عند الداخل العراقي‮ . ‬أقام الاحتلال ديموقراطيته وأقبل فريق من العراقيين عليها مؤمناً‮ ‬ومصدقاً‮ . ‬غير أن الاحتلال‮ ‬يظل هو الاحتلال‮ ‬،‮ ‬وسقوط صدام لا‮ ‬يقيم ديموقراطية لأن نظام صدام مُنتَج عراقي‮ . ‬هذا‮ ‬يعني‮ ‬أن الديموقراطية مجرد شعار أو عنوان لقيام نظام ديكتاتوري‮ ‬بديل لا نظام ديموقراطي‮ . ‬ولأن العراق هو العراق‮ - ‬من دون أن ننسى عروبته‮ ..! ‬ـ فقد اختلف الورثة ويطمح الكثيرون إن لم نقل جميعاً‮ ‬لإقامة نظام لا‮ ‬يختلف عن سابقه بغير عنوانه وحرّاسه‮ . ‬يمكن التأكد من ذلك بمتابعة صراع المالكي‮ ‬من أجل البقاء في‮ ‬السلطة والسلطات التي‮ ‬استولى عليها وتشبه سلطات صدام مع فارق وهو أن هنالك وصيّاً‮ ‬أميركياً‮ ‬يراقبه على الأرض‮ . ‬صدام كان أكثر استقلالية بالرغم من أن لا حرية لحاكم عربي‮ ‬إلا بقدر ما‮ ‬يُعطى فيأخذ ويُمارس‮ . ‬يبقى من الصراع على السلطة في‮ ‬بغداد ليس ديموقراطيتها بل انتماءها،‮ ‬وربما كان هذا بالضبط ما‮ ‬يحول دون إياد علاوي‮ ‬الشيعي‮ ‬العربي‮ ‬ورئاسة الحكومة بالرغم من أن الديموقراطية التي‮ ‬أقاموها في‮ ‬العراق هي‮ ‬التي‮ ‬أعطته الأكثرية البرلمانية‮ ‬،‮ ‬ويعتبرونها أكثرية الفريق المهزوم لا أكثرية الفريق المنتصر بالاحتلال وتحميه طهران‮ . ‬
لنراقب جيداً‮ ‬ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬العراق‮ . ‬إنه‮ ‬يؤسس لمستقبل المنطقة‮ .‬
آخر الكلام‮: ‬يتصارع على العرب ثلاث قوى إقليمية،‮ ‬ويتصارع بقايا العرب في‮ ‬ما بينهم على توزيع أرضهم بين هذه القوى‮.

تعليقات القراء

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المحرر العربي.

 
الإســم
البريد الإلكتروني
التعـلـيـق
أرسل التعليق

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات
الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


للمزيد