عراق واحد أم مقاطعات مذهبية ..؟
نهاد الغادري
ماذا يجري في العراق وإلى أين ..؟ . سؤال يطرحه ما يشهد العراق من انقسام سياسي مذهبي قومي يتعذر معه قيام حكومة تدير شؤون الناس بوصفهم جماعة ، أو جماعات . مستقرة على أرض واحدة ومشتركة .
فرح البعض بسقوط صدام واحتلال العراق بكذبة أسلحة الدمار الشامل التي اخترعوها للجلبي وصدقوها . غير أن أحداً لم يحسب حساب ما بعد السقوط وانفجار الواقع العراقي متعدد الانتماءات . فقد أدى الاحتلال وسقوط صدام وشعار الديموقراطية إلى تمزيق بنية العراق الداخلية ويهدد تمزيقه وواقعه بالانسياح والتمدد . قبل ذلك أدى انقلاب عبد الكريم قاسم إلى سقوط النظام القديم وولادة نظام عنف دموي لم يكن قادراً على الاستمرار لأن العنف يلد العنف ولأن نظام ما قبل قاسم تماماً كنظام ما قبل الاحتلال الأميركي كان أصون لوحدة العراقيين وربما أرحم بهم من واقعهم .
اليوم يعيش العراق ديموقراطية الشكل دون محتواها . ديموقراطية دون ديموقراطية . ومن سخريات السياسة وعبثها أن زعامات العراق اليوم تتطلع لإنتاج نظام جديد على غرار النظام السابق شدة وقسوة ومركزية .
لم تعد مشكلة العراق مشكلة الحرية والديموقراطية وحق التعبير . أصبح البقاء موحداً هو القضية واللحمة الوطنية هي الهدف .
يمكن لمن يقرأ التاريخ أن يعتبر العراق حالة خاصة بحكم انقسامه المذهبي إلى وحدتين بشريتين : سنة وشيعة ، متقاربتي العدد متصارعتين على السلطة لا على بناء العراق . هنالك وحدة بشرية ثالثة هي الأكراد تتطلع لحكم ذاتي مقدمة للانفصال وقيام دولة كردية تمزق أربع دول في المنطقة هي : تركيا ، سورية ، العراق وإيران . هذه الدولة المشروع يتم توظيفها خارجياً لتطويع الأنظمة أكثر مما توظف لإقامة وطن حلم ممنوع .
يمكن للمراقب استخلاص نتيجة واحدة مما يجري في العراق وهي أن بقاء الاحتلال قد يكون أفضل وربما كان ذلك بالضبط ما يتطلع له فريق من العراقيين ، أو ما يتم برمجته خارجياً على أرض الواقع لإحكام السيطرة على الموارد .
يثير ما يحدث في العراق مخاوف شتى . مخاوف إقليمية : تركيا ، سورية ، الخليج .. ومخاوف دولية : أميركا ، أوروبا . وحدها إيران تنافس الاحتلال ، تمسك بأوراق داخلية تمنحها حضوراً وتغذي شهيتها للتوسع .
لا تقف المخاوف عند حدود التقسيم القومي : عرب - أكراد ، بل التقسيم المذهبي : سنة شيعة ، وانفجار هذا الانقسام على مدى النفط . نتوقف قليلاً عند هذه النقطة . احتلال العراق كان جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الجديد للمحافظين الجدد . وبالرغم من سقوط الجمهوريين حاضني المشروع في واشنطن وتراجع نفوذ المحافظين فإن مشروع التقسيم والتغيير مستمر بذاتيته وانهيار وحدة العراق وانقسامه المذهبي وانفجار علاقات أطيافه .
لا أحد يستطيع اليوم أن يبدل هذا الواقع الممزق . فقد أطلق الاحتلال أحلاماً كثيرة لأنصاف الشعوب وأنصاف الزعامات وأنصاف الدول . وبقدر ما يخشى المراقبون والعرب من تقسيم العراق بوصفه جزءاً من التاريخ يخشون من التداعيات ومعها التقسيم على امتداد المنطقة وخصوصاً في الخليج . وإذن فالحالة العراقية ذات عدوى ويخشاها الجميع . من هنا فإن ما يجري هناك في بغداد وجوارها يؤسس لمستقبل الشرق الأوسط وليس محصوراً بجغرافيته . وقد يكون الخليج تحديداً هو الهدف الحقيقي لما بعد الاحتلال .
هنا يمكن ملاحظة أنه بقدر ما كان هدف المحافظين الجدد من احتلال العراق السيطرة على نفطه فقد كان إعادة تشكيل جغرافيا المنطقة وتقسيمها وإشغالها بخلافات وحروب أهلية تستنفدها وتمنح إسرائيل استقراراً وأمناً دائمين . فالمنطقة التي تشغلها خلافاتها وحروبها وانقساماتها لن تكون لأمد طويل مطلوب قادرة على مواجهة أي شكل من أشكال الخطر أو تحديه . وبحكم ما أنتجته الحروب والهزائم والصراعات فإن البنية السياسية والشعبية العربية لما تبقى بعد خروج مصر وسقوط العراق أضعف من أن تواجه خطراً أو تقيم دولة مستقرة . طبعاً يفترض هذا الواقع اتفاقات حماية دائمة وصفقات سلاح واستنفاد الموارد فضلاً عن السيطرة على جغرافية النفط ومحيطه .. فضلاً عن استيلاد أنظمة جديدة وزعامات جديدة .
نتوقف قليلاً عند الداخل العراقي . أقام الاحتلال ديموقراطيته وأقبل فريق من العراقيين عليها مؤمناً ومصدقاً . غير أن الاحتلال يظل هو الاحتلال ، وسقوط صدام لا يقيم ديموقراطية لأن نظام صدام مُنتَج عراقي . هذا يعني أن الديموقراطية مجرد شعار أو عنوان لقيام نظام ديكتاتوري بديل لا نظام ديموقراطي . ولأن العراق هو العراق - من دون أن ننسى عروبته ..! ـ فقد اختلف الورثة ويطمح الكثيرون إن لم نقل جميعاً لإقامة نظام لا يختلف عن سابقه بغير عنوانه وحرّاسه . يمكن التأكد من ذلك بمتابعة صراع المالكي من أجل البقاء في السلطة والسلطات التي استولى عليها وتشبه سلطات صدام مع فارق وهو أن هنالك وصيّاً أميركياً يراقبه على الأرض . صدام كان أكثر استقلالية بالرغم من أن لا حرية لحاكم عربي إلا بقدر ما يُعطى فيأخذ ويُمارس . يبقى من الصراع على السلطة في بغداد ليس ديموقراطيتها بل انتماءها، وربما كان هذا بالضبط ما يحول دون إياد علاوي الشيعي العربي ورئاسة الحكومة بالرغم من أن الديموقراطية التي أقاموها في العراق هي التي أعطته الأكثرية البرلمانية ، ويعتبرونها أكثرية الفريق المهزوم لا أكثرية الفريق المنتصر بالاحتلال وتحميه طهران .
لنراقب جيداً ما يجري في العراق . إنه يؤسس لمستقبل المنطقة .
آخر الكلام: يتصارع على العرب ثلاث قوى إقليمية، ويتصارع بقايا العرب في ما بينهم على توزيع أرضهم بين هذه القوى.