إنها الحرب تُدقّ طبولها .. ؟
نهاد الغادري
بالرغم من كل ما يُنشر ويُقال من أن لا حرب قادمة ، وأن ما يحدث مجرد تهويل لأن فريقي الحرب : إيران وأدواتها من جانب ، وإسرائيل ومن خلفها الغرب على الطرف الآخر لا يريدان الحرب أو هما يخشيان امتدادها ونتائجها فإن المأزق يقود كل الفرقاء لحرب هي المخرج الوحيد من الاحتقان .
ليست الحرب قراراً أو خياراً بقدر ما هي تعبير عن الاضطرار الذي يفرضه واقع تراكمت فيه عناصر الخوف والتفجير وتغيير الموازين . واضح أن لا أحد يبشر بهذه الحرب لأن الكل يعرف أثمانها ويخشى تداعياتها ، غير أن كثيراً من الحروب وقع بحكم أن أسبابها تراكمت وغدا مستحيلاً وقفها بغير أن يستسلم أحد فريقيها أو فرقائها أو ينهار من داخله وهو ما لن يحدث ، ولم يحدث إلا مرة واحدة في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي . يومها كان الانهيار بديلاً من حرب فناء العالم ، ولن تتكرر القصة مع طهران .
لكل حرب عناصرها أيضاً . وفي الواقع الذي تعيشه المنطقة بشكل عام فإن هذه العناصر استكملت رجالها وقواها .. وعناوينها .
أ - فهنالك إيران وبرنامجها النووي الذي هو تعبير عن قرار نظامها بامتلاك أسباب القوة للحصول على حصة من شرق أوسط يجري تقسيمه الجديد وإعادة تشكيله ، وليس جديداً ذلك فمن قبل نظام إيران الديني المذهبي تطلع الشاه لحصة ودور وموقع . إنه التاريخ يستيقظ ويستعيد أحقاده .
ب - وهنالك إسرائيل المازالت تطمع بالمزيد من الأرض وترفض السلام وتلد بمشروعها المازال قيد التنفيذ أسباب الحروب ولاجئيها وكوارثها .
جـ - وهنالك قوة إقليمية صاعدة هي تركيا وتتطلع لدور وحصة مشروعين بحكم التاريخ .. والفراغ .
د - وهنالك أرض العرب المستباحة ومعها النفط وشعوب فقدت حيويتها ومشروعها ومرتكزات قوتها . حتى صراخها تخنقه الأنظمة . شعوب تستحضر الماضي بديلاً من المستقبل . تختلف لغير سبب وتلد كل يوم أسباباً جديدة لفرقتها .
هـ - أخيراً هنالك الغرب بقيادة أميركا الذي يدافع عن مصالحه الحيوية وتشكل إسرائيل قاعدته الكبرى . وبقدر ما تحمي إسرائيل هذه المصالح فإنها تتمدد لتحقيق حلم توراتي يراودها وتستدرج صراعاً يهدد بتغيير كل ما هو موروث في المنطقة . تأخذ إسرائيل من الغرب وتعطيه . تأخذ منه القوة وتحمي بقاءه . إذن فالحرب ليست قراراً أو خياراً بقدر ما هي نتيجة حتمية لواقع تتجمع فيه عناصر الانفجار .
هل تستطيع السياسة وقدر من التنازلات المازالت ممكنة إبعاد شبح حرب يركض إليها فرقاؤها .. وهل تحسم مثل هذه الحرب - إذا وقعت - أسبابها..؟ .
يصعب التكهن بكيفية إبعاد شبح حرب تراكمت عناصرها وقاربت الانفجار . وفي قناعتنا أن عقلانية النظام الرسمي اللبناني بتنوعه والعنصر المسيحي فيه يستأخرها ولكنه لا يستطيع ، أيضاً ، بانقسامه الداخلي وما انتهى إليه أمر مراكز القوة وصنع القرار والحضور الإيراني المتزايد منع هذه الحرب . منع الحرب يحتاج لما هو أكثر من قرار رسمي لا يمثل قوة مسلحة على الأرض ولا تستطيعه السلطة المنقسمة في لبنان . أيضاً لا تستطيعه أو لا تريده القوى الدولية التي ترفض استمرار هذا الواقع وارتهان لبنان ، حتى إذا كان الثمن دماراً يمكن تعويضه أو انهياراً لسلطة مركزية يمكن إعادة بنائها بشروط واقع جديد .. تماماً كما حدث من قبل في تجربة منظمة التحرير .
يحسن التذكير أن لا أحد يجهل ، مهما ارتفع صوت التهويل ، أن القوى ليست متعادلة ولا متكافئة ، وأن ثمن النصر والهزيمة غالٍ لشعوب المنطقة وأنظمتها كلها . هذا يعني أن هذه الحرب التي تتجمع أسبابها سوف تستولد شروطاً للتغيير على امتداد الشرق الأوسط . قد لا يكون التغيير سريعاً ولكنه قادم .