ابحث
العدد 768
9/9/2010  في

الرقص السياسي‮ ‬الدولي‮ ‬في‮ ‬الشرق العربي
ستون عاماً‮ ‬من الكذب والتهريج السياسي

الأستاذ الدكتور‮ ‬منذر الدقاق

تتردد أغنية السلام في‮ ‬الشرق الأوسط منذ ستين عاماً،‮ ‬وهي‮ ‬أغنية راقصة في‮ ‬بقعة محدودة،‮ ‬تسير في‮ ‬كل الاتجاهات في‮ ‬حلبة الرقص،‮ ‬إنما تبقى تراوح وتتحرك في‮ ‬المكان من دون أن‮ ‬تتقدم خطوة واحدة‮.‬
هذا هو الواقع السياسي‮ ‬الذي‮ ‬خططه وأراده الغرب الاستعماري‮ ‬لهذه المنطقة العربية الزاخرة بالنفط،‮ ‬في‮ ‬موقع استراتيجي،‮ ‬يتوسط القارات الثلاث في‮ ‬العالم القديم‮.‬

سراب السلام مع إسرائيل

ما زال السلام مع إسرائيل سراباً‮ (‬كما كتبنا في‮ ‬صحيفة‮ »‬الحياة‮« ‬عام‮ ‬2000‮) ‬وما زال التخطيط الصهيوني‮ ‬القديم،‮ ‬من قرن تقريباً،‮ ‬هو في‮ ‬طور التنفيذ على مراحل وببطء شديد‮ (‬أحجار على رقعة الشطرنج،‮ ‬الصفحة‮ ‬18‮ ‬من الطبعة الرابعة عشرة الصادرة عام‮ ‬2000‮).‬
فُرضت دولة إسرائيل عام‮ ‬1948‮ ‬في‮ ‬قلب البلاد العربية لتكون قاعدة استعمارية كبيرة‮ ‬يغذيها الغرب وتعمل على مدى السنين لتحقيق عدم استقرار دائم في‮ ‬الشرق العربي‮ ‬ومنع أي‮ ‬نمو حضاري‮ ‬من خلال الإنفاق على وسائل الدفاع من شراء أسلحة وإقامة جيوش عسكرية مهمتها الدفاع عن البلاد العربية‮.‬
إسرائيل تدعي‮ ‬الرغبة بالسلام منذ تأسيسها،‮ ‬إنما تعمل للحرب‮. ‬على مدى ستة عقود،‮ ‬استفادت من أجواء الحرب للحصول على عطف عالمي‮ ‬يدر عليها مساعدات مالية بالمليارات،‮ ‬لأن السلم‮ ‬يحرمها من ذلك‮. ‬تصرخ بالسلام لإخفاء وظيفتها الاستعمارية في‮ ‬الشرق العربي،‮ ‬ما‮ ‬يسمح لها بتنفيذ مخططات الغرب الاستعماري‮ ‬الذي‮ ‬أوجدها في‮ ‬فلسطين‮.‬

إصابة عصفورين بحجر واحد‮!‬

لقد أصاب الغرب الاستعماري‮ ‬عصفورين بحجر واحد‮: ‬إذ نعرف جيداً‮ ‬وعلى مدى قرون عدة،‮ ‬عداء الشعوب الأوروبية ثم الشعب الأميركي‮ ‬للعنصر اليهودي،‮ ‬ولا أنسى ما قرأته‮ ‬يوماً‮ ‬عام‮ ‬1952‮ ‬على باب مقبرة في‮ ‬ولاية‮ (‬نيوجيرسي‮) ‬في‮ ‬الولايات المتحدة،‮ ‬حين كان التمييز العنصري‮ ‬على أشده‮: »‬ممنوع دفن اليهود والطليان والعبيد‮«. ‬ولقد تلقى اليهود نقمة صامتة وأحياناً‮ ‬صارخة في‮ ‬القرنين السابع عشر والثامن عشر في‮ ‬أوروبا،‮ ‬ولتأتي‮ ‬النازية وعلى رأسها أدولف هتلر في‮ ‬القرن العشرين لتسجل أسوأ أنواع الاضطهاد للعرق اليهودي‮.‬
وقد سمح إقامة دولة إسرائىل أن‮ ‬يرسل الغرب إلى الشرق العربي‮ ‬الملايين من اليهود ليستوطنوا فلسطين ويتخلص منهم‮..‬
وإذا عدنا إلى الحروب الصليبية التي‮ ‬استمرت قرنين بأبعادها السياسية‮ - ‬وقد قهرها صلاح الدين الأيوبي‮ ‬إلى‮ ‬غير رجعة‮ - ‬نجد بوضوح زائد أن دور إسرائىل في‮ ‬الشرق العربي‮ ‬هو دور الحروب الصليبية منذ عشرة قرون،‮ ‬حيث أوكل الغرب الاستعماري‮ ‬لإسرائىل القيام بما لم تستطع تحقيقه الحروب الصليبية‮: ‬تفجير العالم الإسلامي‮ ‬وتحطيم الطاقات الحضارية العربية ومنع كل استقرار‮ ‬يسمح بالنمو والازدهار‮... ‬وكانت الحروب المخططة المتتالية في‮ ‬العقود الستة الأخيرة تأكيداً‮ ‬على هذا المخطط‮... ‬وما حرب العراق سوى إحدى حلقاته‮. ‬وقد نجح في‮ ‬إثارة النعرات الطائفية والمذهبية بحيث‮ ‬يسمح بإقامة دويلات صغيرة وفق مخطط‮ »‬الشرق الأوسط الجديد‮« ‬الذي‮ ‬يجعل إسرائىل الدولة الكبرى والأقوى في‮ ‬المنطقة،‮ ‬تفرض شروطها الحضارية والاستعمارية،‮ ‬وتسمح في‮ ‬الوقت ذاته بأن تكون شرطي‮ ‬الغرب الاستعماري‮ ‬في‮ ‬بلاد النفط،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يضمن كاملاً‮ ‬مصالح الدول الغربية‮.‬
ولكي‮ ‬لا ننسى فإن وجود إسرائىل في‮ ‬المنطقة العربية أتاح إقامة أنظمة بوليسية في‮ ‬عدد من دول الشرق العربي،‮ ‬وهي‮ (‬إسرائيل‮) ‬تفضل النظم البوليسية لأنها سهلة الاختراق والتطويع،‮ ‬تمنع كل معارضة فاضحة،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أنها قابلة للتعاون معها‮ (‬من تحت الطاولة‮) ‬ما‮ ‬يضمن لها الإشراف الكامل على مقدرات وثروات ونفط الشرق العربي‮.‬

كيف تمنع إسرائىل السلام مع فلسطين؟

يجدر ألاّ‮ ‬ننسى أنه كلما حاول المجتمع الدولي‮ (‬ولو ظاهراً‮...) ‬إقامة سلام في‮ ‬الشرق الأوسط عملت إسرائيل على وضع العثرات لمنعه‮... ‬وفي‮ ‬عام‮ ‬1948،‮ ‬حين أراد وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت توطيد سلام دائم من خلال إقامة دولة‮ ‬يهودية ودول عربية في‮ ‬فلسطين وفق قرار التقسيم‮... ‬تم اغتياله من اليمين اليهودي‮ ‬المتطرف لاستبعاد ما‮ ‬يعمل له‮.‬
وحين حاول رئيس الوزراء الإسرائىلي‮ (‬رابين‮) ‬في‮ ‬العقد الأخير من القرن العشرين‮... ‬تنفيذ سلام دائم وإقامة دولة فلسطينية لإنهاء هذا الصراع المخطط‮... ‬تم اغتياله وإزالته من الوجود،‮ ‬وتخطي‮ ‬ما‮ ‬يسعى إليه من سلام دائم،‮ ‬ولنتذكر دائماً‮ ‬ما قاله‮ (‬شامير‮) ‬رئيس الوزراء الإسرائيلي‮ ‬في‮ ‬مؤتمر أوائل العقد الأخير من القرن العشرين من أن‮ (‬أمامه عشر سنين لمفاوضات السلام‮) ‬وقد تخطينا الآن عشرين سنة وما زال السلام في‮ ‬فلسطين في‮ ‬موقعه الراقص المحدود‮.‬

المساعي‮ ‬الأميركية إلى الفشل‮!‬

منيت بالفشل محاولات الرؤساء الأميركيين كافة إقامة سلام في‮ ‬الشرق الأوسط‮... ‬وقبلت إسرائيل للمرة الأولى والأخيرة إقامة سلم مع مصر والأردن،‮ ‬لأن في‮ ‬ذلك كسراً‮ ‬للإجماع العربي،‮ ‬من دون أن‮ ‬ينهي‮ ‬وجه الصراع الأصلي‮ ‬وهو قائم مع الشعب الفلسطيني‮. ‬ولقيت المبادرة العربية لإقامة سلام دائم منذ ثماني‮ ‬سنوات كل التجاهل من إسرائيل‮.‬
أما خريطة الطريق الأخيرة فهي‮ ‬إحدى حلقات المماطلة وإضاعة الوقت بشكل مقصود،‮ ‬ولن تسمح إسرائيل بأي‮ ‬نوع من أنواع السلام سوى الاستسلام‮!‬

رفض إسرائىل للسلام ليس بجديد‮!‬

ليس ما نستعرضه من حقيقة موقف إسرائيل من السلام في‮ ‬الشرق الأوسط بأمر جديد بل هو بعيد ومضى عليه خمس وخمسون عاماً‮. ‬فقد سبق أن عرضت في‮ ‬محاضرة شاملة في‮ ‬النادي‮ ‬العربي‮ ‬في‮ ‬دمشق عام‮ ‬1955‮ ‬عن‮ (‬الصهيونية في‮ ‬السياسة الأميركية‮) ‬نشرت على ثلاث صفحات كاملة من صحيفة الأيام السورية عدد‮ (‬5724‮)‬،‮ ‬أوضحت خلالها أن إسرائيل لا تريد ولن تعمل على إقامة أي‮ ‬سلام،‮ ‬وأنها تعيش من أجواء الحرب‮.. ‬وأتى الرئيس التونسي‮ ‬الحبيب بورقيبة عام‮ ‬1960،‮ ‬يطلب من العرب أن‮ ‬يقبلوا بالسلام لأن إسرائىل ستهرب منه،‮ ‬ومن وراء ذلك سيعرف العالم أجمع أنها لا تريد أي‮ ‬سلام،‮ ‬وهذا ما عرفه العالم أخيراً‮ ‬ولكن بعد أكثر من خمسين عاماً‮...‬

أوباما‮... ‬عنصر جديد في‮ ‬رقصة السلام‮!‬

في‮ ‬عام‮ ‬2009،‮ ‬دخل عنصر جديد إلى معركة السلام في‮ ‬الشرق الأوسط،‮ ‬إذ تبنى الرئيس الأميركي‮ ‬الجديد باراك أوباما الدعوة له،‮ ‬وكان جاداً‮ ‬في‮ ‬دعوته،‮ ‬إلا أنه لا‮ ‬يملك أو بالأحرى لم‮ ‬يكن مستوعباً‮ ‬للعناصر الخفية لرفض إسرائيل لكل سلام‮... ‬طالما أن خبرته السياسية في‮ ‬هذا الصراع جديدة وغير عميقة،‮ ‬ولم‮ ‬يخطر بباله العودة إلى الوراء،‮ ‬ليرى واقع الرفض الإسرائيلي‮ ‬لكل سلام على مدى ستين عاماً‮...‬
ومن المؤكد أن نيات الرئيس الأميركي‮ ‬الجديد إيجابية وأنه‮ ‬يود حقاً‮ ‬إنهاء الصراع في‮ ‬فلسطين وتوطيد سلم دائم،‮ ‬إلا أن النفوذ الإسرائيلي‮ ‬المتغلغل في‮ ‬أروقة السياسة الأميركية لن‮ ‬يسمح له بذلك،‮ ‬وهذا ما رأيناه بوضوح من خلال فرض الاستيطان في‮ ‬القدس والضفة الغربية،‮ ‬مع البدء بمفاوضات‮ ‬غير مباشرة لن تؤدي‮ ‬إلى أي‮ ‬سلم حقيقي،‮ ‬وقد‮ ‬يدرك الرئيس أوباما بشكل متأخر جوهر موقف إسرائىل وهروبها من السلام،‮ ‬لأن ذلك‮ ‬يناقض وظيفتها الحقيقية في‮ ‬الشرق الأوسط‮: ‬عدم استقرار دائم،‮ ‬تقليص أي‮ ‬نمو حضاري،‮ ‬الهيمنة الدائمة‮ ‬غير المباشرة على النفط العربي‮.

تعليقات القراء

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المحرر العربي.

 
الإســم
البريد الإلكتروني
التعـلـيـق
أرسل التعليق

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات
الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


للمزيد