الرقص السياسي الدولي في الشرق العربي
ستون عاماً من الكذب والتهريج السياسي
الأستاذ الدكتور منذر الدقاق
تتردد أغنية السلام في الشرق الأوسط منذ ستين عاماً، وهي أغنية راقصة في بقعة محدودة، تسير في كل الاتجاهات في حلبة الرقص، إنما تبقى تراوح وتتحرك في المكان من دون أن تتقدم خطوة واحدة.
هذا هو الواقع السياسي الذي خططه وأراده الغرب الاستعماري لهذه المنطقة العربية الزاخرة بالنفط، في موقع استراتيجي، يتوسط القارات الثلاث في العالم القديم.
سراب السلام مع إسرائيل
ما زال السلام مع إسرائيل سراباً (كما كتبنا في صحيفة »الحياة« عام 2000) وما زال التخطيط الصهيوني القديم، من قرن تقريباً، هو في طور التنفيذ على مراحل وببطء شديد (أحجار على رقعة الشطرنج، الصفحة 18 من الطبعة الرابعة عشرة الصادرة عام 2000).
فُرضت دولة إسرائيل عام 1948 في قلب البلاد العربية لتكون قاعدة استعمارية كبيرة يغذيها الغرب وتعمل على مدى السنين لتحقيق عدم استقرار دائم في الشرق العربي ومنع أي نمو حضاري من خلال الإنفاق على وسائل الدفاع من شراء أسلحة وإقامة جيوش عسكرية مهمتها الدفاع عن البلاد العربية.
إسرائيل تدعي الرغبة بالسلام منذ تأسيسها، إنما تعمل للحرب. على مدى ستة عقود، استفادت من أجواء الحرب للحصول على عطف عالمي يدر عليها مساعدات مالية بالمليارات، لأن السلم يحرمها من ذلك. تصرخ بالسلام لإخفاء وظيفتها الاستعمارية في الشرق العربي، ما يسمح لها بتنفيذ مخططات الغرب الاستعماري الذي أوجدها في فلسطين.
إصابة عصفورين بحجر واحد!
لقد أصاب الغرب الاستعماري عصفورين بحجر واحد: إذ نعرف جيداً وعلى مدى قرون عدة، عداء الشعوب الأوروبية ثم الشعب الأميركي للعنصر اليهودي، ولا أنسى ما قرأته يوماً عام 1952 على باب مقبرة في ولاية (نيوجيرسي) في الولايات المتحدة، حين كان التمييز العنصري على أشده: »ممنوع دفن اليهود والطليان والعبيد«. ولقد تلقى اليهود نقمة صامتة وأحياناً صارخة في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، ولتأتي النازية وعلى رأسها أدولف هتلر في القرن العشرين لتسجل أسوأ أنواع الاضطهاد للعرق اليهودي.
وقد سمح إقامة دولة إسرائىل أن يرسل الغرب إلى الشرق العربي الملايين من اليهود ليستوطنوا فلسطين ويتخلص منهم..
وإذا عدنا إلى الحروب الصليبية التي استمرت قرنين بأبعادها السياسية - وقد قهرها صلاح الدين الأيوبي إلى غير رجعة - نجد بوضوح زائد أن دور إسرائىل في الشرق العربي هو دور الحروب الصليبية منذ عشرة قرون، حيث أوكل الغرب الاستعماري لإسرائىل القيام بما لم تستطع تحقيقه الحروب الصليبية: تفجير العالم الإسلامي وتحطيم الطاقات الحضارية العربية ومنع كل استقرار يسمح بالنمو والازدهار... وكانت الحروب المخططة المتتالية في العقود الستة الأخيرة تأكيداً على هذا المخطط... وما حرب العراق سوى إحدى حلقاته. وقد نجح في إثارة النعرات الطائفية والمذهبية بحيث يسمح بإقامة دويلات صغيرة وفق مخطط »الشرق الأوسط الجديد« الذي يجعل إسرائىل الدولة الكبرى والأقوى في المنطقة، تفرض شروطها الحضارية والاستعمارية، وتسمح في الوقت ذاته بأن تكون شرطي الغرب الاستعماري في بلاد النفط، وهذا ما يضمن كاملاً مصالح الدول الغربية.
ولكي لا ننسى فإن وجود إسرائىل في المنطقة العربية أتاح إقامة أنظمة بوليسية في عدد من دول الشرق العربي، وهي (إسرائيل) تفضل النظم البوليسية لأنها سهلة الاختراق والتطويع، تمنع كل معارضة فاضحة، فضلاً عن أنها قابلة للتعاون معها (من تحت الطاولة) ما يضمن لها الإشراف الكامل على مقدرات وثروات ونفط الشرق العربي.
كيف تمنع إسرائىل السلام مع فلسطين؟
يجدر ألاّ ننسى أنه كلما حاول المجتمع الدولي (ولو ظاهراً...) إقامة سلام في الشرق الأوسط عملت إسرائيل على وضع العثرات لمنعه... وفي عام 1948، حين أراد وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت توطيد سلام دائم من خلال إقامة دولة يهودية ودول عربية في فلسطين وفق قرار التقسيم... تم اغتياله من اليمين اليهودي المتطرف لاستبعاد ما يعمل له.
وحين حاول رئيس الوزراء الإسرائىلي (رابين) في العقد الأخير من القرن العشرين... تنفيذ سلام دائم وإقامة دولة فلسطينية لإنهاء هذا الصراع المخطط... تم اغتياله وإزالته من الوجود، وتخطي ما يسعى إليه من سلام دائم، ولنتذكر دائماً ما قاله (شامير) رئيس الوزراء الإسرائيلي في مؤتمر أوائل العقد الأخير من القرن العشرين من أن (أمامه عشر سنين لمفاوضات السلام) وقد تخطينا الآن عشرين سنة وما زال السلام في فلسطين في موقعه الراقص المحدود.
المساعي الأميركية إلى الفشل!
منيت بالفشل محاولات الرؤساء الأميركيين كافة إقامة سلام في الشرق الأوسط... وقبلت إسرائيل للمرة الأولى والأخيرة إقامة سلم مع مصر والأردن، لأن في ذلك كسراً للإجماع العربي، من دون أن ينهي وجه الصراع الأصلي وهو قائم مع الشعب الفلسطيني. ولقيت المبادرة العربية لإقامة سلام دائم منذ ثماني سنوات كل التجاهل من إسرائيل.
أما خريطة الطريق الأخيرة فهي إحدى حلقات المماطلة وإضاعة الوقت بشكل مقصود، ولن تسمح إسرائيل بأي نوع من أنواع السلام سوى الاستسلام!
رفض إسرائىل للسلام ليس بجديد!
ليس ما نستعرضه من حقيقة موقف إسرائيل من السلام في الشرق الأوسط بأمر جديد بل هو بعيد ومضى عليه خمس وخمسون عاماً. فقد سبق أن عرضت في محاضرة شاملة في النادي العربي في دمشق عام 1955 عن (الصهيونية في السياسة الأميركية) نشرت على ثلاث صفحات كاملة من صحيفة الأيام السورية عدد (5724)، أوضحت خلالها أن إسرائيل لا تريد ولن تعمل على إقامة أي سلام، وأنها تعيش من أجواء الحرب.. وأتى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عام 1960، يطلب من العرب أن يقبلوا بالسلام لأن إسرائىل ستهرب منه، ومن وراء ذلك سيعرف العالم أجمع أنها لا تريد أي سلام، وهذا ما عرفه العالم أخيراً ولكن بعد أكثر من خمسين عاماً...
أوباما... عنصر جديد في رقصة السلام!
في عام 2009، دخل عنصر جديد إلى معركة السلام في الشرق الأوسط، إذ تبنى الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما الدعوة له، وكان جاداً في دعوته، إلا أنه لا يملك أو بالأحرى لم يكن مستوعباً للعناصر الخفية لرفض إسرائيل لكل سلام... طالما أن خبرته السياسية في هذا الصراع جديدة وغير عميقة، ولم يخطر بباله العودة إلى الوراء، ليرى واقع الرفض الإسرائيلي لكل سلام على مدى ستين عاماً...
ومن المؤكد أن نيات الرئيس الأميركي الجديد إيجابية وأنه يود حقاً إنهاء الصراع في فلسطين وتوطيد سلم دائم، إلا أن النفوذ الإسرائيلي المتغلغل في أروقة السياسة الأميركية لن يسمح له بذلك، وهذا ما رأيناه بوضوح من خلال فرض الاستيطان في القدس والضفة الغربية، مع البدء بمفاوضات غير مباشرة لن تؤدي إلى أي سلم حقيقي، وقد يدرك الرئيس أوباما بشكل متأخر جوهر موقف إسرائىل وهروبها من السلام، لأن ذلك يناقض وظيفتها الحقيقية في الشرق الأوسط: عدم استقرار دائم، تقليص أي نمو حضاري، الهيمنة الدائمة غير المباشرة على النفط العربي.