عمرو موسى يعود فجأة إلى النطق...
هزة في القاهرة!!
حرب ساحقة تفضي إلى تسوية العكازات الخشبية
الدولة الفلسطينية تنتقل إلى غزة...
مصر لأميركا: طرح ليبرمان يهدد كامب ديفيد
»رئيسنا المقبل يخرج من شفتي أبو الهول«
عباس لم يقتنع بكلام ميتشل حول تفكيك الائتلاف
نتنياهو وليبرمان: الدكتور جايكل والمستر هايد
ما هو الثمن الذي يطلبه الإيباك من أوباما؟
نبيه البرجي
مخزية جداً، ومهينة جداً، الصورة التي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية لجثث عناصر من ميليشيات الصحوة مكدسة في عربة عسكرية، كانت أحذية القتلى تكشف الجانب الأكثر مأسوية، والأكثر إذلالاً، من الصورة. أجل »أحذية الاتهام« لتلك الملهاة العربية التي ذهبت بعيداً في »لعبة العار«.
لا، لا، كانت هناك - في الصورة - قدمان عاريتان. وقد يكون هناك من أصيب بالذهول، إذا كانت قد بقيت لدينا أحاسيس فعلاً، وهو يرى أن هذا يحدث في العراق الذي إذا ما بقي برميلان من النفط في العالم، فأحدهما سيكون، حتماً، عراقياً. وهذا ما قاله تقرير بريطاني موثوق منذ عقود..
هذا بلد الحضارة السومرية، أمّ الحضارات على الإطلاق، والتي أخذت التوراة منها الكثير، بما في ذلك ميكانيكية البداية (بداية الخليقة)، فيما أعرب أرنولد توينبي عن دهشته لأن من قرأ مرثيات أرميا لا بد أن يلاحظ أنها مقتبسة كلياً عن المرثيات السومرية الكبرى..
جيف المواشي
وهذا بلد الآشوريين والبابليين، وبلد أبي الطيب المتنبي الذي تُعامل فيه الجثث البشرية كما جيف المواشي. هذه مسألة طبيعية. ولكن من قال إن الأحياء في العالم العربي يعاملون أفضل مما يعامل الموتى في العراق؟ والسؤال موجه إلى أولئك الذين يعرفون أن الإسرائيليين، وحين اجتاحوا لبنان عام 1982، توجهوا إلى أرشيف وزارة الدفاع للتنقيب فيه عما يمكن أن يرشدهم إلى رفاق ثلاثة منهم قتلوا عام 1948 في معركة المالكية التي خاضها الجنود اللبنانيون ببسالة نادرة بقيادة النقيب محمد زغيب الذي سقط في المعركة.
السؤال موجه أيضاً إلى أولئك الذين يعرفون ما فعله ويفعله الإسرائيليون من أجل العثور على رفات ثلاثة جنود آخرين قضوا في معركة الدبابات الشهيرة في خراج بلدة السلطان يعقوب عام 1982.
التفاوض مع الموتى
المسألة ليست هنا، فحين كانت وكالة الصحافة الفرنسية تبث الصورة (التي لا ندري ما إذا كانت قد وصلت إلى نبوخذ نصر أو حمورابي)، كان هناك مواطن من مدينة نابلس، مواطن عادي جداً، يقول لإحدى الشاشات إن السلطة الفلسطينية ماتت، وأن الأسلوب الذي تعتمده حكومة بنيامين نتنياهو يظهر كما لو أنها تفاوض الموتى. الموتى المكدسون في عربة. الجثث مكشوفة. حتى الجثث ليست في مكانها الطبيعي..
ديبلوماسي عربي في بيروت (وبعدما لاحظ أن عمرو موسى عاد، فجأة، إلى النطق) قال لنا إن موقف وزير الخارجية الإسرائىلي أفيغدور ليبرمان حول قطع أي علاقة مع غزة التي عليها، في هذه الحال، أن تتدبر أمرها بنفسها، مع الانسحاب من مياهها الإقليمية بطبيعة الحال، أحدث هزة في القاهرة، فهذا يعني، حتماً إقامة دولة أصولية على حدود مصر لا بد أن تتواصل مع جماعة »الإخوان المسلمين« الذين على رغم اهترائهم السياسي والعقائدي وحتى التنظيمي يشكلون التيار الأقوى داخل المجتمع المصري...
أبو الهول والرئيس
وبمعنى آخر، تنتقل كرة النار من حدود إسرائىل إلى داخل مصر، أي إلى أزقة القاهرة، حتى إذا ما أخذ بالاعتبار هول المشكلات التي تعاني منها مصر، فإن الوضع هناك لا بد أن يدخل في المجهول، خصوصاً مع حساسية الوضع الصحي للرئيس حسني مبارك الذي بلغ من العمر عتياً من دون أن تتبلور الآلية الخاصة بالخلافة، حتى أن أحد الرسوم الكاريكاتورية أظهر »أن رئيسنا المقبل يخرج من شفتي.. أبي الهول«.
الديبلوماسي إياه قال لنا إن القاهرة اعتبرت أن ما طرحه زعيم حزب »إسرائىل بيتنا« يقلب قواعد اللعبة رأساً على عقب ويهدد الأسس التي قام عليها اتفاق كامب ديفيد الذي ما لبث أن تحول إلى معاهدة سلام.
الإشارة المصرية التي نقلت في الحال إلى واشنطن كانت واضحة، حتى ولو كان دنيس روس الذي يمسك بملف المنطقة (وبعنقها) يرى استحالة المس بتلك المعاهدة كونها أضحت جزءاً لا يتجزأ من الثوابت الاستراتيجية للشرق الأوسط.
الطاووس...
الأميركيون حثوا رئيس الحكومة الإسرائيلية الذي لم يعلق ببنت شفة على الاقتراح الخطير لوزير خارجيته على إبداء موقفه أمام الرئيس مبارك بعدما سبق لنتنياهو ووصف ليبرمان بأنه يحاول، دوماً، تقليد الصقر الذي يغرد خارج سربه، فيما هو، في الواقع، مجرد طاووس يزهو بريشه المزركش.
بعبارة أخرى، على المصريين ألا يتوقفوا عند كل ما يقوله حارس المواخير السابق. ولعل أحد مستشاري الرئيس المصري نبهه إلى أن ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي سبق وقاله وزير الاتصالات إسرائيل كاتس، ومع التأكيد على أن الرأي العام في الدولة العبرية يميل إلى ترك غزة وشأنها لكي يصبح باستطاعة إسماعيل هنية أن يعلن دولته..
اضغطوا على عباس
حينذاك تولد الدولة الثانية التي يتحدث عنها الأميركيون من دون انقطاع (ومن دون تنفيذ)، فيما تبقى الضفة بمثابة منطقة مشتركة فلسطينية - إسرائىلية لأن المستوطنات تحولت إلى »واقع استراتيجي وإيديولوجي« لا مجال البتة لاجتثاثه. مجرد محطة يرحل عنها الفلسطينيون عاجلاً أم آجلاً..
دولة ثانية تتخذ قرارات ثورية من قبيل منع النساء (اللواتي هن الهاجس الاستراتيجي لأي جماعة متطرفة) من تدخين الأركيلة في الأماكن العامة، بانتظار قرارات طالبانية أخرى بطبيعة الحال (مع رفضنا المطلق لثقافة الأركيلة..).
وبحسب المعلومات الديبلوماسية، فإن نتنياهو كان يزمع توظيف طرح ليبرمان للضغط على الرئيس مبارك من أجل حمل الفلسطينيين على الدخول، مجدداً، في تلك الدوامة الكوميدية، أي الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة، بعيداً عن أي خطة واضحة، وحتى من دون جدول أعمال، وبعدما وضعت حكومة اليمين لائحة بالمحرمات التي تعني أن المفاوضات أقرب ما تكون إلى إحدى الرقصات البدائية، وحيث محاربو القبيلة المنتصرة يغرزون رماحهم، وهم يرقصون، في ظهور الآخرين المرغمين على الرقص أيضاً..
السناتور المبجل
حتى أن السناتور »المبجل« جورج ميتشل شعر بأن رئيس السلطة محمود عباس الذي استنزف سياسياً، وحتى العظم (وهو الذي يعاني أصلاً من ترقق في العظام)، لا يمكنه الانزلاق، مجدداً، إلى الدوامة التي بات بعض أهل السلطة يصفها بالفضيحة..
هذا من دون أن يبقى سراً أن ميتشل لجأ، للمرة الأولى ربما، إلى الخديعة، موحياً بأن واشنطن تسعى لتفكيك حكومة نتنياهو بحيث تحل زعيمة حزب »كاديما« تسيبي ليفني محل أفيغدور ليبرمان الذي رجّح المبعوث الأميركي أن تطيح به قضية الفساد المثارة حالياً..
الدكتور جايكل والمستر هايد
لكن الفلسطينيين ذكّروا ميتشل بأنهم سمعوا هذا الكلام في مطلع العام الحالي من دون أن يحدث شيء على المستوى الديبلوماسي، لا بل بدا أن نتنياهو وليبرمان أشبه ما يكونان بالدكتور جايكل والمستر هايد (شخص واحد بوجهين)...
أكثر من ذلك، فإن معلومات رام الله، كما معلومات عواصم عربية وأوروبية تعتبر أن الرئيس باراك أوباما، ومنذ ذلك اللقاء العاطفي الأخير مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، إنما أعلن أنه رهينة في يد الإيباك الذي يطلب من الإدارة، ثمناً باهظاً في مقابل تأييده للحزب الديموقراطي في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل..
الثمن الباهظ قد يكون حرباً يشعر اليمين الإسرائيلي أنه بات بحاجة ماسة إليها كي يفرض واقعاً جديداً يفضي إلى تسوية »العكازات الخشبية«، كما وصفها إدوار سعيد ذات يوم. أجل دولة العكازات الخشبية في مواجهة القاذفات الإسرائيلية، فالدولة الفلسطينية ممنوعة إلا وفق مواصفات معينة. المواصفات التي تعني... اللادولة!
ماذا يفعل عباس؟
إذاً، على جورج ميتشل أن يتنحى عن مهمته وهو مثخن بالجراح بعدما كان يريد أن يمضي بقية عمره داخل تلك اللحظة التاريخية التي أرساها اتفاق الجمعة العظيمة في إيرلندا، ولكن ماذا عسى محمود عباس أن يفعل. الرجل لم يعد يتحمل وطأة الثلاجة. والطريف أن يقال الآن إنه قد يلتحق بإسماعيل هنية في قطاع غزة..
ولكن من قال إن هنية الذي يتربع على عرش غزة (وغداً الدولة العتيدة التي قد تمتد إلى النقب إذا ما حصلت المقايضة) لا يزال في الخندق. قيادة »حماس« هناك منهمكة في إعادة هيكلة الناس إيديولوجياً (من كرة القدم وحتى الأركيلة مروراً بسراويل الجينز).
لكن عمرو موسى »نطق« وتحدث عن ضمانات. هذه الهلهلة هل تأتي بغير الصورة التي تتكدس فيها الجثث. لا تسألوا إلى أين توجه أحذية الاتهام. الستار يسدل على لا شيء...