المنطقة تتأثر بالانعكاسات المترتبة على الإصلاحات المالية العالمية
لبنان محصّن في وجه الأزمة ولا تعديل للنظام الرقابي
تؤكد المعطيات الاقتصادية على أن لبنان صمد في وجه الأزمة المالية العالمية، وتمكنت مصارفه من تجاوز انعكاسات الأزمة وارتداداتها على المنطقة، في الوقت الذي تعرضت فيه مصارف كبرى في العالم الى حالات انهيار متتالية. وتأتي تأكيدات المؤسسات المالية الدولية والمجتمع الدولي على صلابة الوضع المصرفي اللبناني، على إثبات صوابية التدابير والاجراءات والتعاميم الاستباقية التي اتخذتها السلطات النقدية اللبنانية، والتي حمت القطاع المصرفي من الأزمة.
والواقع، أن القطاع المصرفي اللبناني بات يتمتع بوضعية سيولة إيجابية. ولبنان يموّل ذاته من السوق المحلية (حكومة وقطاعاً خاصاً). ويعكس ذلك حالة مستقرة للاقتصاد اللبناني، إذ انه لم يتأثر بالأزمة المالية العالمية.
وفي هذا السياق، أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إيجابية السيولة، واشار الى »أن تراجع معدلات الفائدة البالغ 3 في المئة خلال سنة واحدة أدى إلى خفض كلفة التمويل الحكومي«. وإذ أكد أن لبنان يتجه إلى تطوير معايير الرقابة، قال إن »لا توجيه من صندوق النقد ولا توجّه لدينا لتعديل نظامنا الرقابي«، مشيراً إلى أن المصرف المركزي »حريص على الاستمرار في السياسات المتحفّظة التي جنّبت لبنان الأزمة وآثارها«.
وجاء كلام سلامة بعد اجتماع (حلقة نقاش) عقده ممثلون لصندوق النقد الدولي وعدد من كبار المسؤولين من البنوك المركزية والسلطات التنظيمية في بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في بيروت، لتبادل الرأي في الانعكاسات الإقليمية لإصلاح الأسواق المالية العالمية. وشارك في الحلقة، المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في الصندوق هوزيه فينيالز، والمدير المساعد في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي عدنان مزارعي، ومسؤولون رفيعو المستوى من المصارف المركزية والسلطات التنظيمية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وجرى نقاش للجهود المبذولة حالياً لإصلاح النظام المالي الدولي وتأثيرها في القطاعات المالية في هذه المناطق.
ولفت سلامة، الى »ان اللقاء بحث في الأفكار المتداولة والأساليب المتاحة لتصحيح النظام المالي العالمي، بعدما مضت المحاولات السابقة على نحو لم نشعر فيه حصول تصحيح فعلي أقنع الأسواق، وكانت أزمة أوروبا بمثابة الإشارة إلى ذلك«. وأشار إلى بحث جدي عالمياً في إصلاحات في مراكز عالمية عدة وفي إطلاق »بازل 3«، وسيكون لهذه الإجراءات تأثير على القطاع المصرفي في العالم وفي لبنان.
وخلص صندوق النقد الدولي الى دعوة السلطات التنظيمية والرقابية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إلى ضرورة المساهمة في دور فاعل في الجهود الجارية لإصلاح النظام المالي الدولي، وإجراء الإصلاحات اللازمة لتعزيز صلابة الأنظمة المالية في المنطقة.
من جهته، أشار فينيالز الى أن البحث تركّز على ستة بنود تندرج في إصلاح الإطار التنظيمي والرقابي، تتمثل في الحد من مسايرة اتجاهات الدورة الاقتصادية، إذ يجب أن تكون القواعد التنظيمية الاحترازية عاملاً مشجعاً للمؤسسات المالية على تكوين احتياطات وقائية كافية في أوقات اليسر، وألا تنطوي القواعد ذاتها على تحيّز للطابع الدوري وزيادة رأس المال. وينبغي توافر قدرٍ كافٍ من رؤوس الأموال لدى المؤسسات المالية، لتتمكن من التصدي لأشدّ الصدمات من دون اللجوء إلى مساعدة الحكومة أو دافعي الضرائب، ووجوب تعزيز الممارسات الرقابية في المؤسسات المالية، وضرورة دعم أطر الاستعداد لجبه الأزمات وحلّها، والتمويل المستقر والاهتمام بمصدره بمقدار الاهتمام في استخداماته، والتخفيف من حدة الأخطار الناشئة عن جهات الوساطة المؤثرة على النظام المالي.
وشدّد مسؤول صندوق النقد، على بلدان الأسواق الصاعدة تحديداً، بصوغ قواعد تنظيمية تشجع التعميق المالي وتوافر فرص التمويل والادخار على أساس قابل للاستمرار. ورأى أنه من المهم تحقيق التوازن الصحيح بين ملاءمة القواعد التنظيمية على المستوى المحلي واتساقها مع الممارسات الدولية، مؤكداً ضرورة تعزيز التعاون في مجال الرقابة بين هيئات الرقابة في ما بين الدول، وتفعيل الشفافية في تداول المشتقات المالية وهي في الغالب ثنائية العقود، لافتاً إلى أن قيمتها تبلغ 600 تريليون دولار في العالم.
بدوره، أعلن مزارعي، أن بلدان منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ستتأثر بالانعكاسات المهمة المترتبة على الإصلاحات المالية العالمية. ولفت الى أهمية أن يحيط المسؤولون في البلدان الشرق أوسطية والأطراف الفاعلون في السوق بشكل الإصلاح الجاري ويساهموا في صوغه. وأكد أن تأثر المصارف في الشرق الأوسط بالأزمة كان أقل من نظرائها في الاقتصادات المتقدمة، لأن تركيزها انحصر في نشاطات الإقراض التقليدي وتعبئة المدخرات، وأقل اندماجاً في الأسواق المالية العالمية.
ولفت إلى أن الأزمة الأخيرة، شكلت دافعاً لإطلاق مبادرات تنظيمية عالمية، وهي خفض الطابع الدوري، وإرساء معايير أكثر صرامة للسيولة، وإيجاد سبل لمعالجة مشكلات المؤسسات المالية المؤثرة في النظام المالي وتحسين الأطر المعتمدة لتسوية أوضاع المصارف المتعثرة، بما في ذلك المصارف العاملة عبر الحدود، مشيراً الى وجود عدد كبير من القطاعات المالية الشرق أوسطية معرّض لدورات الانتعاش والركود وموجات التدفقات الرأسمالية المرتبطة بتقلبات أسعار النفط، ولذلك يجب أن يكون خط الدفاع الأول هو السياسات الاقتصادية الكلية الصائبة، كاستخدام سياسات المالية العامة المعاكسة للاتجاهات الدورية.