العقوبات ــ القشة التي قصمت ظهر البعير
نهاية نظام آيات الله كما نظام الشاه في... البازار
الأزمة تثير الذعر والأثرياء في مقاهي الكابوتشينو
إعداد وترجمة : هناء عليان
حلت محل التظاهرات السياسية التي شهدتها إيران العام الماضي، احتجاجات اقتصادية قد تشكل خطراً أكبر على الحكومة في طهران، وشملت هذه التحركات أول إضراب مديد في »البازار«، الذي يعد الشريان الاقتصادي للعاصمة، فضلاً عن احتجاجات نفذها عمال صناعيون في مقاطعات مختلفة لم يتقاضوا أجورهم منذ أشهر.
لا ترتبط هذه الحوادث ارتباطاً مباشراً بالجولة الأخيرة من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا على إيران، ولا يبدو أنها حصلت بتنسيق مع »الحركة الخضراء« المعارضة، لكن العقوبات الجديدة ساهمت بشكل غير مباشر في تأجيج جو القلق الذي يزعزع الاقتصاد الإيراني ويقض مضجع القادة الإيرانيين.
يوضح جواد صالحي أصفهاني، وهو بروفسور متخصص في علوم الاقتصاد في معهد فرجينيا للتكنولوجيا أن »العقوبات الأخيرة قد تمثل القشة التي قصمت ظهر البعير، فمن الممكن أن تنهار هذه الأمور الحساسة فجأة جراء الضغوط الاقتصادية المتنامية«.
ويعزو صالحي مصائب إيران الاقتصادية في المقام الأول إلى تراجع أسعار النفط، وإلى سياسات الحكومة الإيرانية، فقد بالغت في تحفيز الاقتصاد حين كانت أسعار النفط مرتفعة، ثم خفضت الإنفاق لتحد من التضخم المتفاقم.
البطالة..
صحيح أن التضخم تراجع إلى نحو 9.4 في المئة، غير أن البطالة الإجمالية تقارب الثلاثين في المئة بين الشباب، ومع أن الإيرانيين الأثرياء ما زالوا ينفقون المال بسخاء في مقاهي »الكابوتشينو« شمال طهران، فإنهم يمتنعون عن توظيف عمال جدد أو القيام باستثمارات إضافية.
في هذا الإطار، يقول جورج لوبيز من المعهد الأميركي للسلام: »تعاني إيران أزمة ائتمان ويسودها جو من التحفظ والحذر، يصل الى حد الذعر«.
وكان تجار الذهب والقماش في بازار طهران الرئيسي قد بدأوا إضراباً في السادس من تموز/ يوليو، وتواصل الإضراب رغم تعهد الحكومة بتخفيض وتيرة الضرائب المخطط لها من 70 في المئة إلى 15 في المئة إذ يخشى التجار من أن يكون التخفيض موقتاً.
وتجدر الإشارة إلى أن الإضرابات في البازار كانت قد أدت دوراً رئيساً في ثورة عام 1978-1979، وفي انهيار نظام الشاه محمد رضا بهلوي. ولا تزال البازارات تشكل جزءاً مهماً من المجتمع الإيراني، رغم أن الحرس الثوري الإسلامي حاول تهميشها بسيطرته على الاقتصاد.
تظاهرات العمال
في الوقت عينه، يتزايد الاضطراب بين العمال الصناعيين، فقد أشار تقرير العمل الإيراني، الذي ينشره ناشطون عماليون إيرانيون على الانترنت، إلى أن 180 عاملاً من شركة خزف ألبورز في مدينة قزوين في الشمال الغربي نفذوا تظاهرة في السادس من تموز/ يوليو، مشتكين من أنهم لم يتقاضوا أجورهم إلا مرتين في الاثني عشر شهراً الماضية، وكانوا قد قاموا بتظاهرة سابقة في الأول من أيار/ مايو.
علاوة على ذلك، يشير كيفان هاريس، وهو عالم اجتماع في جامعة جون هوبكنز يسافر كثيراً إلى إيران، إلى أن رئيس أحد الاتحادات العمالية التي تديرها الحكومة في مدينة تبريز الشمالية تذمر أخيراً من أن العمال في المنطقة »أبلغوه أن رواتبهم لا تدفع في الأوقات المحددة وأنهم يتقاضون أجوراً أقل من الحد الأدنى، ولا يحصلون على أي مقابل لقاء أوقات العمل الإضافية، ويُحرمون من البرامج التي ترعاها الحكومة، مثل بطاقات الحسم على الطعام، ويُجبرون على العمل بعقود موقتة«.
ولا تعاني المؤسسات الإيرانية النقص في الاستثمارات فحسب، بل عليها دفع مبالغ أكبر لقاء مجموعة من المواد المستوردة، بما فيها المنتجات النفطية المكررة.
ويبدو أن إيران، التي تستورد نحو 30 في المئة مما تحتاج إليه من بنزين، وجدت في الأتراك والصينيين والعراقيين والأكراد بديلاً للمزودين الأوروبيين، فقد توقفت معظم شركات النفط الأوروبية الكبرى عن بيع منتجاتها لإيران كي تتفادى الوقوع ضحية قانون أميركي جديد يهدد بمقاطعة الشركات التي تتعامل مع قطاع النفط الإيراني، وحرمانها من ولوج النظام المصرفي الأميركي.
كذلك تواجه إيران المشاكل في بيع نفطها الخام، لذلك صارت تعتمد بشكل متزايد على الحسومات والوسطاء المريبين، حسبما ورد في تقرير أُعده معهد الحرب والسلم في طهران.
ارتفاع الأسعار
فضلاً عن ذلك، أدت العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على المصارف الإيرانية منذ سنوات إلى ارتفاع أسعار معظم الواردات بنحو 20 في المئة، حسبما يفيد ديبلوماسيون غربيون. ويذكر هاريس أن »الوقت ما زال مبكراً« لمعرفة ما إذا كانت الجولة الأخيرة من العقوبات »ستفاقم هذه الأسعار«.
كذلك أكد هاريس أنه من السابق لأوانه الجزم ما إذا كان قائدا »الحركة الخضراء« المحاصران، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، سينجحان في الاستفادة من المشاكل الاقتصادية الإيرانية، فقد ركزت هذه الحركة، التي ولدت عقب الانتخابات الرئاسية الإيرانية المتنازع عليها السنة الماضية، على الحقوق السياسية والمدنية.
الحكومة ستواجه اختباراً حقيقياً حين تلغي دعمها للصناعات الغذائية وتبدله بدفعات نقدية، فمن المفترض أن تطبق إصلاح الإعانات هذا في أواخر أيلول/ سبتمبر المقبل بعدما أرجأته مرات عدة.
ويوضح صالحي أن الخطط الأولى التي هدفت إلى منح فقراء إيران المزيد من المال أبدلت بدفعات متساوية لكل الإيرانيين لأن الحكومة تفتقر إلى القدرات البيروقراطية اللازمة لإعادة توزيع الدخل بطريقة معقدة.
ولم يتضح بعد ما إذا كانت مشاكل إيران المتنامية ستقنعها بوقف برنامجها النووي.
البازار الأفعوان
يمثل بازار »طهران الكبير« القلب التجاري للعاصمة الإيرانية. ويتميز هذا البازار عن غيره بتنوع بضائعه وقوة مركزه التجاري، الذي يشكل 40 في المئة من حجم التجارة في هذا البلد.
يقع بازار طهران عند تقاطع اكثر من 5 شوارع رئيسية، وتمتد ممراته كالأفعوان لتتوزع إلى أقسام للبيع بالجملة والمفرق، حيث يوجد قسم للخياطين وتجار السجاد وقسم للنجارين وآخر لبيع الذهب. ويتسع البازار أكثر فأكثر، وتتنوع معه الأقسام هذه لتبلغ أكثر من 100 قسم تشكل، بمجملها، أهم نقطة التقاء اقتصادية للإيرانيين على اختلاف مدنهم وقراهم.
وتكمن أهمية هذا البازار في قوته الاقتصادية التي اعتبرت سلطة ثالثة تتدخل في الحدث السياسي الإيراني منذ بنائه قبل 400 عام.
وقد توسع البازار وتطور مع مرور الزمن حتى اتخذ شكله الحالي حيث السقف الذي لم يكن سابقاً.
تقتضي الإشارة إلى أن انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية كانت محدودة في هذا البلد، فالبازار مستمر بتجارته ودعمه للاقتصاد الإيراني على أكثر من مستوى مع وجود بعض الشكوى من كثرة البضائع الصينية التي تغزو عادة في السنوات الأخيرة أسواق العالم كافة.