خراب أورشليم
»إنها مدينة الصدق والأكاذيب تزعزعها«
»تنازلنا عن جبل الهيكل تنازل عن القلب«
إعداد وترجمة : هناء عليان
يعلمنا التلمود أن أورشليم (القدس عربياً) لم تخرب إلا بعدما اندثر فيها الصادقون، وأن »الصادقين« هم أناس يمكن أن نثق بكلامهم، لأن أورشليم هي »مدينة الصدق«، والأكاذيب تزعزع أسسها.
بعد 1940 سنة من خراب أورشليم يكذب قادة هذا الجيل في ما يتعلق بالمدينة، وهكذا لم تعد نذورهم نذوراً ولا ايمانهم ايماناً، وهم يستخفون بالمدينة وحاجاتها ومقدساتها.
ليست القدس عاصمة ورمزاً ووعياً وذاكرة يهودية فحسب، بل هي نسيج مدني حي يتنفس، يتركه في كل سنة 18 ألف يهودي، وتركه في السنين العشرين الأخيرة أكثر من 300 ألف يهودي. إن كارثة سكانية كهذه، تنبع من نقص شديد في فرص السكن والعمل، وهو ما يقتضي تدخلاً حكومياً غير موجود.
يقسم القادة واحداً بعد الآخر بالحفاظ على وحدة أورشليم وسلامتها والسيادة اليهودية فيها، لكن دولة اسرائيل في واقع الأمر لم تعد تسيطر على مناطق فصلها الجدار الأمني عن المدينة.
وأخطر من ذلك، أنه في شرقي القدس داخل الجدار، وفي البلدة القديمة وفي الحوض المقدس، توجد مناطق لم تطأها رِجل يهودي، وذلك لأن الدولة سحبت سلطتها منها.
وفي العقد الأخير تخلت حكومات إسرائيل على اختلافها عن أورشليم، إما بالكلام وإما بعدم الفعل. بالكلام، كان ايهود باراك وايهود أولمرت من أكثر الأشخاص الذين نكثوا بوعودهم، فبعدما أكد الأول، في »يوم أورشليم« قبل عشر سنوات، أن »المنقطع تماماً عن كل صلة بالتراث التاريخي، والغريب عن رؤيا الشعب ومسار حياته، قادر على أن يخطر بباله تنازل دولة إسرائيل عن جزء من أورشليم«، لكنه وافق من غير أن يرف له جفن بعد شهور قليلة فقط، في كامب ديفيد عام 2000 على تقسيم المدينة والبلدة القديمة وجبل الهيكل، ونقض كل نذوره. وهكذا سلك أولمرت الطريق عينه، بل إن بنيامين نتنياهو استسلم لضغط الولايات المتحدة وجمد البناء في الأحياء اليهودية التي أنشئت في شرقي القدس بعد حرب الأيام الستة، وهي أحياء يسكنها اليوم نحو 200 ألف يهودي، وينبغي أن نأمل أن يكون هذا التجميد موقتاً فقط.
لكن التنازل الأكثر إذلالاً، والأكثر إيلاماً والأصعب من أي شيء، هو التنازل عن القلب، عن جبل الهيكل. أجل تفضل أبو مازن في الآونة الأخيرة ببيان جاء فيه أنه يتخلى عن الحائط الغربي والحي اليهودي، لكن أحداً لم يجهد نفسه ليبين له مدى سخف كلامه وبعده عن الواقع. لم يبين له أحد أن إسرائيل قامت بالتنازل الضخم في أورشليم في العام 1967، عندما سلمت جبل الهيكل، وهو الموضع الأقدس للشعب اليهودي والثالث في أهميته للإسلام، لتديره السلطات الدينية الإسلامية، وحظرت على اليهود الصلاة هناك. لم تسلك أي ديانة هذا السلوك منذ الأزل.
التخلي عن مكان الهيكل ترك لليهود مع كل ذلك حقاً واحداً هو حق زيارة الموقع. بل ثبت هذا الحق بقانون حماية الأماكن المقدسة. لكن في السنين الأخيرة، بعدما أبطل حاخامات كثيرون، لا سيما متدينون قوميون، الحظر الشرعي الشامل لدخول اليهود إلى جبل الهيكل، أصبحت الشرطة تملي على الحكومة سياسة أخرى، فهي تحد من دخول اليهود إلى جبل الهيكل وتسلب الجمهور اليهودي في الواقع آخر موطئ قدم تركته له حكومة إسرائيل في الجبل.
قلنا من قبل إن أورشليم لم تخرب إلا لانقطاع الصادقين منها. من أراد الحفاظ على القدس وعلى جبل الهيكل يجب عليه الحفاظ على الحد الأدنى من الصدق.