ابحث
العدد 768
9/9/2010  في

خراب أورشليم
‮»‬إنها مدينة الصدق والأكاذيب تزعزعها‮«‬
‮»‬تنازلنا عن جبل الهيكل تنازل عن القلب‮«‬

إعداد وترجمة‮ : ‬هناء عليان

يعلمنا التلمود أن أورشليم‮ (‬القدس عربياً‮) ‬لم تخرب إلا بعدما اندثر فيها الصادقون،‮ ‬وأن‮ »‬الصادقين‮« ‬هم أناس‮ ‬يمكن أن نثق بكلامهم،‮ ‬لأن أورشليم هي‮ »‬مدينة الصدق‮«‬،‮ ‬والأكاذيب تزعزع أسسها‮. ‬
بعد‮ ‬1940‮ ‬سنة من خراب أورشليم‮ ‬يكذب قادة هذا الجيل في‮ ‬ما‮ ‬يتعلق بالمدينة،‮ ‬وهكذا لم تعد نذورهم نذوراً‮ ‬ولا ايمانهم ايماناً،‮ ‬وهم‮ ‬يستخفون بالمدينة وحاجاتها ومقدساتها‮.‬
ليست القدس عاصمة ورمزاً‮ ‬ووعياً‮ ‬وذاكرة‮ ‬يهودية فحسب،‮ ‬بل هي‮ ‬نسيج مدني‮ ‬حي‮ ‬يتنفس،‮ ‬يتركه في‮ ‬كل سنة‮ ‬18‮ ‬ألف‮ ‬يهودي،‮ ‬وتركه في‮ ‬السنين العشرين الأخيرة أكثر من‮ ‬300‮ ‬ألف‮ ‬يهودي‮. ‬إن كارثة سكانية كهذه،‮ ‬تنبع من نقص شديد في‮ ‬فرص السكن والعمل،‮ ‬وهو ما‮ ‬يقتضي‮ ‬تدخلاً‮ ‬حكومياً‮ ‬غير موجود‮.‬
يقسم القادة واحداً‮ ‬بعد الآخر بالحفاظ على وحدة أورشليم وسلامتها والسيادة اليهودية فيها،‮ ‬لكن دولة اسرائيل في‮ ‬واقع الأمر لم تعد تسيطر على مناطق فصلها الجدار الأمني‮ ‬عن المدينة‮. ‬
وأخطر من ذلك،‮ ‬أنه في‮ ‬شرقي‮ ‬القدس داخل الجدار،‮ ‬وفي‮ ‬البلدة القديمة وفي‮ ‬الحوض المقدس،‮ ‬توجد مناطق لم تطأها رِجل‮ ‬يهودي،‮ ‬وذلك لأن الدولة سحبت سلطتها منها‮.‬
وفي‮ ‬العقد الأخير تخلت حكومات إسرائيل على اختلافها عن أورشليم،‮ ‬إما بالكلام وإما بعدم الفعل‮. ‬بالكلام،‮ ‬كان ايهود باراك وايهود أولمرت من أكثر الأشخاص الذين نكثوا بوعودهم،‮ ‬فبعدما أكد الأول،‮ ‬في‮ »‬يوم أورشليم‮« ‬قبل عشر سنوات،‮ ‬أن‮ »‬المنقطع تماماً‮ ‬عن كل صلة بالتراث التاريخي،‮ ‬والغريب عن رؤيا الشعب ومسار حياته،‮ ‬قادر على أن‮ ‬يخطر بباله تنازل دولة إسرائيل عن جزء من أورشليم‮«‬،‮ ‬لكنه وافق من‮ ‬غير أن‮ ‬يرف له جفن بعد شهور قليلة فقط،‮ ‬في‮ ‬كامب ديفيد عام‮ ‬2000‮ ‬على تقسيم المدينة والبلدة القديمة وجبل الهيكل،‮ ‬ونقض كل نذوره‮. ‬وهكذا سلك أولمرت الطريق عينه،‮ ‬بل إن بنيامين نتنياهو استسلم لضغط الولايات المتحدة وجمد البناء في‮ ‬الأحياء اليهودية التي‮ ‬أنشئت في‮ ‬شرقي‮ ‬القدس بعد حرب الأيام الستة،‮ ‬وهي‮ ‬أحياء‮ ‬يسكنها اليوم نحو‮ ‬200‮ ‬ألف‮ ‬يهودي،‮ ‬وينبغي‮ ‬أن نأمل أن‮ ‬يكون هذا التجميد موقتاً‮ ‬فقط‮.‬
لكن التنازل الأكثر إذلالاً،‮ ‬والأكثر إيلاماً‮ ‬والأصعب من أي‮ ‬شيء،‮ ‬هو التنازل عن القلب،‮ ‬عن جبل الهيكل‮. ‬أجل تفضل أبو مازن في‮ ‬الآونة الأخيرة ببيان جاء فيه أنه‮ ‬يتخلى عن الحائط الغربي‮ ‬والحي‮ ‬اليهودي،‮ ‬لكن أحداً‮ ‬لم‮ ‬يجهد نفسه ليبين له مدى سخف كلامه وبعده عن الواقع‮. ‬لم‮ ‬يبين له أحد أن إسرائيل قامت بالتنازل الضخم في‮ ‬أورشليم في‮ ‬العام‮ ‬1967،‮ ‬عندما سلمت جبل الهيكل،‮ ‬وهو الموضع الأقدس للشعب اليهودي‮ ‬والثالث في‮ ‬أهميته للإسلام،‮ ‬لتديره السلطات الدينية الإسلامية،‮ ‬وحظرت على اليهود الصلاة هناك‮. ‬لم تسلك أي‮ ‬ديانة هذا السلوك منذ الأزل‮.‬
التخلي‮ ‬عن مكان الهيكل ترك لليهود مع كل ذلك حقاً‮ ‬واحداً‮ ‬هو حق زيارة الموقع‮. ‬بل ثبت هذا الحق بقانون حماية الأماكن المقدسة‮. ‬لكن في‮ ‬السنين الأخيرة،‮ ‬بعدما أبطل حاخامات كثيرون،‮ ‬لا سيما متدينون قوميون،‮ ‬الحظر الشرعي‮ ‬الشامل لدخول اليهود إلى جبل الهيكل،‮ ‬أصبحت الشرطة تملي‮ ‬على الحكومة سياسة أخرى،‮ ‬فهي‮ ‬تحد من دخول اليهود إلى جبل الهيكل وتسلب الجمهور اليهودي‮ ‬في‮ ‬الواقع آخر موطئ قدم تركته له حكومة إسرائيل في‮ ‬الجبل‮.‬
قلنا من قبل إن أورشليم لم تخرب إلا لانقطاع الصادقين منها‮. ‬من أراد الحفاظ على القدس وعلى جبل الهيكل‮ ‬يجب عليه الحفاظ على الحد الأدنى من الصدق‮.

تعليقات القراء

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المحرر العربي.

 
الإســم
البريد الإلكتروني
التعـلـيـق
أرسل التعليق

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات
الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


للمزيد