أميركا تودع العراق وتتمنى له حظاً سعيداً
مال النفط يغير كل شيء بعد 10 سنوات
150 مليار دولار في السنة فهل تتخلى النخبة عن السرقة؟
الاتفاق وارد لأن غنائم السلطة مغرية جداً
إعداد وترجمة : هناء عليان
مع تسارع عملية سحب الولايات المتحدة قواتها، قّل عدد الجنود الأميركيين في العراق عما هو عليه في أفغانستان للمرة الأولى منذ عام 2003. وفي نهاية آب/ أغسطس، لن تتبقى أي فرق قتالية أميركية في العراق، مع أن عشرات الآلاف من عناصر قوات الدعم لن يغادروا البلاد حتى العام المقبل، ومع ذلك لم تتشكل حكومة عراقية جديدة بالرغم من مضي أربعة أشهر على إجراء الانتخابات في 7 آذار/ مارس الماضي.
وقد حثّ نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، خلال زيارته الأخيرة لبغداد، السياسيين العراقيين على إنهاء الأزمة السياسية، لكن تأثير الولايات المتحدة على مجريات الأحداث في العراق بدأ يتراجع بالسرعة التي تتراجع فيها أعداد جنودها، ففي النهاية، سيحكم على الأرجح تحالف العرب الشيعة والأكراد الواسع عينه الذي تسلم زمام الحكم في البلاد سابقاً.
ويلاحظ ارتفاع حدة النزاعات الطائفية والإثنية في هذا البلد بسبب الانتخابات الأخيرة، فضلاً عن أن الفساد مستشرٍ وفاضح، وفي المقابل، لا تزال تزهق عشرات الأرواح بسبب التفجيرات الانتحارية كل أسبوع، لكن البلاد لا تستطيع الفشل بفضل وجود كميات هائلة من النفط.
بعد مضي ثلاثة عقود شهد خلالها العراق حروباً خارجية، وعقوبات صادرة عن الأمم المتحدة واحتلالاً أميركياً، بلغت صادرات النفط فيه أدنى مستوى لها في عام 2008، أي 1.8 مليون برميل في اليوم، لكنها عادت وارتفعت إلى 2.5 مليوني برميل في اليوم. ويعتزم العراق إنتاج 9.9 ملايين برميل في اليوم في فترة زمنية لا تتخطى عشر سنوات، الأمر الذي سيجعله أول، أو ثاني أو ثالث أكبر دولة مصدرة في العالم بعد المملكة العربية السعودية وروسيا. وما من شك أن ذلك سيغمره بالكثير من الأموال.
150 مليار دولار في السنة
وفق الافتراض المنطقي بأن سعر النفط لن ينخفض إلى ما دون 50 دولاراً أميركياً للبرميل الواحد في العقد المقبل، فذلك يعني أن الحكومة العراقية ستجني دخلاً من النفط قدره 150 مليار دولار على الأقل في السنة بحلول عام 2020، كما يُشار إلى أن النخبة السياسية تسطو على ثلثي دخل الحكومة الراهنة، وما من سبب يدفعنا إلى الاعتقاد بأن ذلك سيتغير، لكن مع ذلك سيتدفق نحو 50 مليار دولار في العام على البلاد، الأمر الذي يساعد على تلبية حاجات المواطنين العراقيين.
وربما تنطلق ثورة شعبية لطرد الفئات القادمة من الولايات المتحدة، وأوروبا، وإيران لتعزيز قوتها على حساب الشعب العراقي الذي يعاني منذ زمن طويل، فبعد عبدالكريم قاسم، والبعثيين، وصدام حسين، والأميركيين، وبعد خمسين عاماً من خيبة الأمل، لم يعد العراقيون يؤمنون بالمخلصين بعد اليوم، لذا لن يستطيع أحد خداعهم مجدداً. ولا يستطيع العراقيون أن يأملوا، في أعقاب الاحتلال الأميركي، سوى بتفكك الحكومات الفاسدة نتيجة الانقسامات الطائفية والإثنية.
إذاً، ما الذي سيحدث في الأشهر المقبلة؟ سيوجد التحالف الذي قام الشهر الفائت بين »حزب« دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، نوري المالكي، والحزبين الشيعين الدينيين في الائتلاف الوطني العراقي، كتلةً تستطيع بسهولة الفوز بأغلبية في البرلمان، والمطلوب هو التحالف مجدداً كما في ائتلاف المالكي السابق، لكن هذا التحالف لم يتشكل بعد لأن المالكي لن يكون حتماً رئيس الوزراء فيه بسبب الكره الشديد الذي يكنه له مقتدى الصدر، زعيم أحد الأحزاب الدينية الشيعية. وقد تستمر المحادثات بشأن إقامة التحالف بسرعة كبيرة حتى أيلول/ سبتمبر بينما يسعى المالكي إلى البقاء في السلطة، لكنه لن يفلح في ذلك.
1900دبابة
إن أمله الوحيد هو الاتفاق في المقابل، مع »حزب« العراقية (المقصود كتلة »العراقية«) الذي يترأسه إياد علاوي، والذي حصل على أغلبية أصوات العرب السنّة في غرب البلاد وشمالها، ولقي أيضاً دعماً كبيراً من العلمانيين الشيعة في بغداد وعلى أطرافها، لكن الأكراد لن ينضموا على الأرجح إلى مثل هذا التحالف، لأن »حزب« العراقية ترشح على أساس برنامج معادٍ للأكراد في شمال العراق، فضلاً عن أن علاوي والمالكي لا يطيقان بعضهما.
في النهاية، سيُعقد اتّفاق ما لأن غنائم السلطة مغرية جداً، وفي الوقت عينه، يغادر الأميركيون البلاد بأكبر هدوء ممكن، أي بالهدوء الأفضل الذي قد تنقل به 1900 دبابة من النوع الثقيل ومركبات قتال، و43 ألف شاحنة، و600 مروحية، و34 ألف طن من الذخيرة.
سيعود بعض هذه المعدات مباشرةً إلى الولايات المتحدة، لكن سيجري إصلاح الكثير منها في الكويت، ومن ثم يُرسل إلى أفغانستان... فقد انتهت »الحرب الغبية« كما دعاها الرئيس الأميركي باراك أوباما، بينما تتواصل الحرب في أفغانستان التي لا تقل غباءً عن الأولى.